حرب المقاطع.. مَن المستفيد؟

أرسل مقطعا مدته دقيقة واحدة وتسلم 250 دولارا، أرسل مقطعا مدته دقيقتان ويتضاعف المبلغ ليصبح 700 دولار. تجارة رابحة رأسمالها جوال كاميرا وجولة في الشوارع وبعض برامج الفوتوشوب والفوتو إديت. يسهم في سرعة عرض المقاطع وجود صديق في العاصمة يوصل مجهودك لمسؤول النشرة، حتى لو تقاضى بعض النقود فلا مانع لأنك ستكسب في النهاية مبلغاً جيداً.
تبدأ حرب المقاطع التي نشاهدها يومياً عبر قناتي ''العالم'' و''المنار'' وغيرهما من قنوات تأجيج الفتنة في منطقة الخليج العربي. يتنافس الجميع للحصول على مبالغ المقاطع، حتى أن البعض أصبح يفتعل مظاهرة مع أصدقائه ويصورها ويتقاسمون مبالغها. يمكن كذلك - من خلال استخدام برامج الحاسب الآلي البسيطة - تحويل وقوف الناس في طوابير المدارس لتصبح طوابير الخبز وبرمجة طوابير المطارات أو محطات القطار والحافلات، لتتحول إلى طوابير البحث عن المياه أو أسطوانات الغاز، الحالة في البحرين أكثر وضوحاً منها في السعودية.
تمثل هذه القنوات دولاً ومراكز قوى سياسية ودينية، تستخدم أموال الشعوب لاستهداف أمن وتعليم وصحة مواطني دول أخرى بحكم الرغبة في تكوين منظومة جديدة تؤله الولي الفقيه. مهما كلف الأمر، يموت الأطفال وتنقطع الخدمات وتتوقف الحركة في كل دول العالم، ما دام هناك أمل في احتلال هذه الدول عقدياً، ومن ثم سياسياً.
أدوات العملية هم الواهمون من بني البشر، أولئك الذين يؤمنون بألوهية إنسان يتبعونه، ولو خالف ذلك الشرع والنصوص المحكمة، دعاوى كاذبة تجعل الفقراء والجهلة تروساً في ماكينة الكراهية والتكفير التي تصبو للسيطرة على الأمة.
الجهل - المقصود هنا - هو حالة انعدام المنطق وليس نقص التعليم. يمكن أن يتعلم الناس في المدارس لكنهم لا بد أن يعيشوا في حالة روحية لا تتوافق مع المنطق تضمن أن يعبدوا الفقيه، ويتبعوا فتاواه المشبوهة، وإن خالفت كل القيم والأخلاقيات والنصوص الشرعية.
أغرب ما رأيت أستاذ جامعي في بريطانيا يقول إنه يذهب في أربعينية الحسين ويجلد جسده بالحديد ليطهره من ذنب خذلان الحسين - عليه السلام. هل رأيتم من هو أكثر إثارة للشفقة من إنسان حاصل على أعلى الدرجات العلمية، وفي الوقت نفسه لا يستوعب قول الله - جل وعلا ''كل نفس بما كسبت رهينة''؟ أو قوله تعالى ''ولا تزر وازرة وزر أخرى''؟ آيتان يتعلمهما الأطفال في الابتدائية، ومع ذلك يستعصي فهمها على أستاذ جامعي يمارس التطبير بغرض التطهير من ذنب لم يرتكبه أصلاً، والخافي أعظم. لكن هذه الفئة هي الأنسب لنشر تعاليم ولاية الفقيه. شخص يضع النص القرآني جانباً ويتبع كلام الفقيه، وفي الوقت نفسه تبدو على ملامحه الثقافة العالية وقوة الحجة والجدل، والفضائيات ملآى بأمثال هؤلاء.
تستمر عمليات التأجيج وتنشيط الكراهية في نفوس الناس ليكره الجميع الجميع، ويحارب الجميع الجميع، ويهرعون في النهاية إلى الفقيه ليحكم بينهم فيقول أنت فارسي إذاً أنت خير من العربي. والفرس هم الصفويون الذين آلمهم أن ينتشر الإسلام الذي كان بضاعة حملها الأعراب، فغنم أحدهم تاج كسرى وسواريه بحكم وعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - له بهما.
الشيء الغريب هو أن هذه القنوات تدفع هذه المبالغ من الأخماس التي هي من أموال أولئك المساكين الذين يدفعون ليُسَيَّروا في مقدمة الصفوف، ويتلقوا الضربات، ويكتم أنفاسهم الغاز وهم في النهاية لا يعلمون لماذا يفعلون ما يفعلون، جل ما يعرفونه هو أنهم يطبقون تعليمات السيد التي تلقوها في الحسينية البارحة أو صبيحة اليوم.
ينجح أسلوب المقاطع في تأجيج الرأي العام المحلي والعالمي لأنه لا يواجه بإيضاحات منطقية من قبل أجهزة الإعلام الحكومية أو المحايدة، بل تتبرع قنواتنا التي تدعي ''الحياد '' لنشر هذه المقاطع. فكيف نتوقع أن يعلم الناس أن هذه الأعمال ما هي إلا أعمال تخريب يوجه بتنفيذها عملاء لإيران سواء كان ذلك في البحرين أو أي مكان آخر.
أستغرب سلبية وسائل إعلامنا عن التعامل مع هذه المقاطع بمقاطع واقعية من ممارسات السلطات الإيرانية تجاه السنة في الأحواز أو حتى المعارضين الشيعة من الإصلاحيين. أين المقابلات مع المعارضة المكبوتة في إيران؟ وأين مقاطع القتل والتنكيل في الأحواز؟ وأين صور المظاهرات التي تتحرك اليوم في طهران وقم ومختلف المدن الإيرانية؟... غطوها يا رعاكم الله فنحن على الحق، لكننا لا نوصل رأينا للعالم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي