التحولات العربية في منظور مفكرين
في ندوة من ندوات مركز الملك فيصل للدراسات الإسلامية والعربية العامر عرض ثلاثة فرسان، اثنان من أمريكا والثالث من الأردن، ألا وهو الدكتور مروان المعشر وزير الخارجية السابق، رؤاهم وأفكارهم بشأن التغيرات في العالم العربي وموقف أمريكا من هذه التغيرات، ورأيت مشاركة القراء الكرام بشيء مما خرجت به من هذه الندوة، حيث ذكر في الندوة أن هذه التحولات كانت مفاجئة للولايات المتحدة كما هي مفاجئة للأنظمة التي حدثت لها هذه التغيرات، ولم يكن أحد يتصور حدوثها حتى قبل أسبوعين من بدايتها.
وامتدت هذه التغيرات من تونس، التي وجدت فيها شرارة التحول، إلى روسيا التي خرج شعبها محتجًّا على نتائج الانتخابات التي عقدت أخيرًا والتي فاز فيها حزب بوتين، حيث تحرك الشارع منددًا بالتزوير الذي حدث في الانتخابات، وعملية تبادل الكراسي بين بوتين وميدفيدف.
في محاولة لتحديد أسباب ما حدث، تطرق المتحدثون إلى أمر مهم وقعت فيه الأنظمة التي حدثت فيها التحولات، وتواجهه الأنظمة التي لا تزال التحولات لم تكتمل فيها مثل سورية، ألا وهو عدم قراءة الواقع بشكل صحيح، أو محاولة عدم قراءته بشكل صحيح، وقد يكون السبب في عدم الرغبة أو القدرة على القراءة بشكل صحيح؛ لأن القراءة الصحيحة تستوجب إحداث تغيير قد يفقد النظام والمحسوبين عليه مكاسب ومزايًا لا يستحقونها في الأساس، إنما حصلوا عليها بهيمنتهم على السلطة، ويكفي أن نشير إلى عبارة الاستهزاء التي قالها الرئيس حسني مبارك حين أعلنت المعارضة تشكيل برلمان موازٍ للبرلمان الذي أفرزته الانتخابات المزورة، حيث قال: ''خليهم يتسلوا''، هذه العبارة تشير إلى الازدراء بالشعب والاستخفاف به من قبل رئيس يفترض أن يحرص على الوطن قبل أن يحرص على مكاسبه الشخصية.
الأوضاع الاقتصادية المتردية كانت سمة بارزة في الأوطان التي حدثت فيها التحولات رغم ما تزخر به من خبرات وموارد ضخمة، لكن الفساد أفقر الشعوب، وجعلها تحلم بالهجرة من أوطانها بحثًا عن لقمة العيش التي لم تتحقق لها في أوطانها رغم المخاطر التي تواجهها في الهجرة. إن سياسة شراء الولاءات على الورق كما عبر عنه أحد المتحدثين كان سببًا من أسباب التحولات، حيث إن جيوشًا من الناس، وعبر عقود، ليست لها أي إنتاجية تذكر، إنما كانت جهودهم موجهة في تزيين النظام وتحسين صورته. إن افتقاد الكرامة الإنسانية بسبب التهميش الاقتصادي والاجتماعي والسياسي كان أحد الأسباب الرئيسة التي أحدثت التغيير في نفوس الناس وحولها من تابعة ومنقادة، وفي وضع مهين إلى شعوب حية انتفضت لكرامتها، التحول تحول نفسي وفكري في الأساس أوجد قناعة ألا مناص عن التغيير.
إن صورة الرجل السوري الذي يصرخ بأعلى صوته معلنًا إنسانيته، حيث يقول أنا إنسان ولست بحيوان، لم يكن ليحدث لولا وصوله إلى درجة الشعور بالمهانة والمذلة في ظل نظام استبدادي قامع لشعبه.
الفساد والمحسوبية والرشا أحد الأسباب التي أشار إليها المحاضرون كسبب من أسباب التحولات. إن تحسين الوضع الاقتصادي وفتح المجال للمشاركة الشعبية سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا كفيل بأن يحمي الأنظمة التي لم تصل إليها شرارة التحولات.. فهل تقرأ هذه الأنظمة الواقع بشكل صحيح، وتعمل على تصحيح أوضاعها قبل اشتعال النار؟! يوجد وقت لدى الأنظمة التي لم تبدأ مسيرة الإصلاح، لكن الوقت بطبعه يمضي بسرعة، وما مضى من الوقت لا يمكن استعادته.