تسعير الأسمنت فاشل
ترتفع بين وقت ووقت وبصورة ملحوظة أسعار سلع وخدمات، فيتسارع المتسارعون بكيل الاتهامات، وطلب تدخل السلطة بفرض السعر القديم.
من كتابات وكلام هؤلاء المتسارعين، يخلص الواحد إلى ما يلي: أولا، ارتفاع الأسعار سببه ممارسات تجارية غير مشروعة (كالاحتكار) حلت بالسوق، أي أنها لم تكن موجودة من قبل، ثم وجدت فارتفعت الأسعار بسببها. وثانيا، تدخل السلطة بقوة سيحل المشكلة.
يبدو أننا لا نرجع إلى الماضي لنستفيد منه.
حدثت أزمة أشد وأمضى إبان طفرة السبعينيات من القرن الميلادي الماضي، ضرب التضخم البلاد آنذاك ضربا. وارتفعت أسعار الأسمنت وشح بسبب قوة الطلب، حتى وصل الأمر إلى تفريغ أسمنت من السفن عبر طائرات مروحية. سعرت السلطة الأسمنت، وعملت لجانا لتوزيع الأسمنت. هذا الحل فشل فشلا. التسعير أنتج سعرا مخفضا، لكنه أنتج أيضا فسادا ماليا، وأوجد تقنينا للكميات وطوابير من الانتظار. وهذا التقنين وطوابيره أنتجت تجارة وممارسات غير مشروعة وسوقا سوداء.
من الممارسات التي سمعتها من أحد الأصدقاء أن شركة أسمنت أرادت الالتفاف على القانون فباعت على مشتر بيعا صوريا، الهدف الحقيقي من هذا البيع أن يتولى المشتري بيع الأسمنت باسمه وبسعر أعلى في السوق السوداء، لكنه بيع في الحقيقة لحساب الشركة، وللبائع (بما يشبه المحلل أو التيس المستعار في الطلاق البائن) عمولة طبعا.
من قصص الماضي التي علينا أن نستفيد منها تسعير الإيجارات، فرضت السلطة قيودا على إيجارات المساكن آنذاك، ومنعت زيادة الإيجار إلا ضمن حدود قررتها. وفشلت هذه السياسة. وطلبت أعلى مرجعية علمية دينية في البلاد (الإفتاء) برئاسة سماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله - إلغاء هذه السياسة، لأنها تخالف أحكام الشرع، وتم الإلغاء.
لماذا طلبوا الإلغاء؟
اشترط كبار علماء البلاد ألا يكون ارتفاع السعر بسبب قلة العرض أو كثرة الطلب.
ماذا يعني ذلك؟
ارتفاع الأسعار مبرر، إذا كان نتيجة زيادة الطلب أو انخفاض العرض، أو كليهما، وليس نتيجة تعطيل لقوى السوق.
ماذا تقول الإحصاءات والمعلومات عن الأسمنت؟
تقول الإحصاءات (انظر مثلا إحصاءات مصلحة الإحصاءات وتقرير جدوى العام الماضي عن صناعة الأسمنت، وتقارير شركات مالية أخرى عن قطاع الأسمنت، حيث غالبية شركاته مدرجة في سوق الأسهم)، إن إنتاج الأسمنت في المملكة زاد من نحو 24 مليون طن سنويا عام 2004 إلى قرابة 62 مليون طن العام الماضي.
تجمع تلك الدراسات على وجود طلب قوي متنام على الأسمنت، ولولا هذا الطلب القوي لما زادت المصانع إنتاجها بنسبة تقارب 20 في المائة سنويا خلال السنوات العشر الماضية.
كيف لا يزيد الطلب وقد تجاوزت تكلفة مشروعات التشييد الحكومية وحدها خلال السنوات العشر الماضية تريليون ريال؟ أما إذا أضفنا الحكومة والناس والشركات فأتوقع أن التكلفة في حدود تريليوني (2000 مليار) ريال.
في المملكة عدد كبير من مصانع الأسمنت، فهل بينها تواطؤ؟ هل تمارس تلك المصانع تصرفات غير مشروعة؟ لا بد من بحث وتقص، حتى يكون الاتهام على أساس.
هل يمارس الموزعون تعطشيا للسوق؟ لا بد من بحث وتقص، حتى يكون الاتهام على أساس، لكنه احتمال أستبعده.
لو افترضنا نجاح الموزعين في تخزين إنتاج أيام قليلة جدا، فإن مستودعاتهم ستمتلئ. ليس بإمكانهم تخزين إنتاج أسابيع بما يؤثر في الأسعار تأثيرا جوهريا. التخزين مكلف، ويتطلب مكانا جافا ومحميا ... إلخ. لا تنسوا أننا في موسم أمطار.
تقول بعض الصحف إن جهات حكومية طلبت من شركات الأسمنت العمل وفق طاقتها القصوى. إن صح هذا الخبر فهو مضحك. هل موظفو تلك الجهة أو الجهات الحكومية أحرص على مصلحة المصنع من ملاكه وإدارته؟
أما عن سوء إدارة الحكومة لتوزيع الأسمنت المسعر فللقارئ الكريم التعرف بنفسه على ذلك.
طبعا من المتوقع أن يسأل عن الحل؟
من واجب الحكومة أن تهيئ الظروف لوجود سوق تنافسية، كما أن من واجبها أن تصدر القوانين، التي تبين وتمنع الأساليب التي يقصد بها محاربة المنافسة، كما أن من واجبها أن تراقب تنفيذ ذلك، وأن تعاقب على المخالفة، مع إعطاء المتظلم الحق في اللجوء إلى القضاء.
يجب أن يفهم جيدا، أن ما قلته سابقا لا علاقة له بحق ولي الأمر (من بيده سلطة) في منع الممارسات غير المشروعة، ولا في وضع المواصفات والشروط، ومراقبة المنتجين والأسواق، بهدف المحافظة على صحة المستهلكين وسلامتهم. وإذا حقق كل ذلك، فعلى السلطة الامتناع عن التسعير، لأن الله - سبحانه - هو المسعر.
روى أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: ''غلا السعر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا يا رسول الله سعر لنا. فقال: إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال''، أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح.
الخلاصة أن ارتفاع أسعار الأسمنت موضوع يتسم بالتعقيد، وله جوانب معقدة، مثل القدر المتاح من الموارد وأحوال العرض والطلب ومشكلات الإنتاج والتوزيع. ومن السذاجة تفسير ارتفاع الأسعار بتفسيرات تتجاهل تعقد القضايا تلك. وفي هذا الإطار ينبغي على الحكومة محاربة الممارسات غير المشروعة بقوة، وترك التسعير، أما اللجوء إليه فقد بينت التجارب أنه حل فاشل.