رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


سراب القرارات

بداية يجب أن يقرأ هذا المقال في ضوء المقال السابق، الذي تحدثت فيه عن أربعة فخاخ أو مصائد (سمها ما شئت) لقرارات تتخذ كل يوم في مجالس الإدارات وفي الوزارات حتى في مجالس الجامعات، من لجان المراجعة الداخلية في الشركات، مرورا بلجان الحل البطيء في الوزارات، حتى لجان الرفض في الجامعات. قرارات يعتقد أصحابها - بثقة مفرطة - أن خبراتهم مانعتهم من الخطأ، أو أنهم يستطيعون بتلك الخبرات حل المشكلة بين ليلة وضحاها، ولما يظهر لهم من الجمل إلا أذناه، ومن جبل الثلج سوى ثلثه. واليوم سأكمل الحديث عن سراب القرارات، التي يجري خلفها بعض متخذي القرار ظنا منهم أنها الحل المنشود وليست سوى أوهام التفكير. وهذه الأنواع من السراب ذكرتها دراسة COSO التي أشرت إليها في المقال السابق تحت عنوان ''مشكلة التحيز عند اتخاذ القرار''.
السراب ليس إلا خداع بصري، وأعتقد - وبشكل شخصي هنا - أن البصر لا يخدع الإنسان، بل الإنسان يخدع نفسه وهو يحاول فهم الصور التي ترسلها له مرآة عينه، وفق ما ألفه في حياته وما تفرضه عليه خبراته السابقة. العين آلة كالمرآة تعكس له الواقع، الذي تراه، لكن تفسير هذا الواقع يقع على عاتق الإنسان نفسه، وهو الذي يتخذ قراراته بناء على تفسيراته هو وليس على حقيقة الواقع. في عالم القرارات قد يقع المجتمعون في مشكلة خداع تفسير المعلومات، التي تُطْرَح لهم كأساس لفهم المشكلة (وذلك تحت تأثير المصائد المذكورة سابقا، وأخطرها عصابات القرار). فمثلا عندما يطلب منك التأكد من معلومات وردت في تقرير شركة لديها عشر سيارات بمبلغ مليون ريال، ستبحث حتما في صدق ملكية السيارات للشركة ذلك أن ''خبرتك'' تقول إن المديرين ربما يدّعون وجود سيارات ليست لشركاتهم رغبة منهم في تحسين صورة الوضع المالي، وستجد دليلك سهلا في وثائق الملكية. ثم ستبحث في حقيقة تثمين السيارات ذلك أن خبرتك تقول إن الشركات تبالغ في تقييم أصولها، وستجد الحل بسرعة في تثمين شركة متخصصة. كل ذلك جيد لكنه خطير ''تحيز نحو إثبات ما تراه موجودا''، (إنه الجري وراء السراب) سمتها دراسة COSO بمشكلة الإفراط في الثقة، قد لا تسأل نفسك هل هناك أكثر من عشر سيارات؟ أي أن إدارة الشركة أخفت بعضها لأمر ما. إنك تهرب من هذا السؤال، لأن الحصول على دليل مقنع (بعدم) وجود أكثر من عشر سيارات عمل صعب وسيستهلك وقتك. تتورط المجالس في سراب التركيز في جانب واحد من المشكلة وتتجاهل (وبعمد) طرح جوانب أخرى تحت حجة (لا نشعب الحوار)، وليظهر الجميع بأنهم عازمون على حل المشكلة وبسرعة أو لتجنب الصراع في المجلس.
من السراب الذي يجري وراءه متخذ القرار ''سراب السوبرمان''، وهم أولئك الخبراء الذين تجدهم في أكثر من مجلس إدارة، وتراهم في لجان الشركات ينتقلون من اجتماع هذه إلى تلك، وفي الجامعات والوزارات (وكأنه الولد البار المخلص للكيان)، فتجده في جميع اللجان يرأس هذه وشريك في تلك ومستشار لهاتيك، يعرف كل شيء ويفهم في كل شيء في شؤون الطلاب وفي الجودة والتخطيط الاستراتيجي وفي المناهج وفي شؤون المعيدين، ولا تستغرب إذا وجدته ضمن المحتسبين. مشكلة أولئك الخبراء أنهم يتأثرون ''حتما'' بما يحصل في الشركة (أ) ويعتقدون أنه سيحصل ''حتما'' في الشركة (ب)، لذلك إذا فشل مشروع في (أ) وطرحته (ب) فورا فإنه يسارع لرفضه ليس لأسباب جوهرية بل فقط ''وفقط'' لأن (أ) فشلت فيه. المشكلة أنه أحد الذين ورطوا (أ) في قراراها بالموافقة بلا دراسة كافية نظرا لتورطه في أحد فخاخ القرار، وسيتحيز لتجربته السيئة فلا يريد أن يكررها في (ب) بغض النظر عن أي دراسة أو تجربة أو مميزات عند (ب)، إنه سراب الخبرة الذين جعل موسى -عليه السلام - ينكر على من هو أعلم منه خرق السفينة، لأن خبرته في مناسبات أخرى سابقة تقول بذلك. هذه المشكلة سمتها COSO مشكلة التحيز للمعلومات المتاحة، ونحن جميعا متحيزون لأقرب معلومات مسجلة في ذاكرتنا ونقارن جميع المعلومات الأخرى وفقا لها، في هذا تورد COSO تعليقا مهما: ''ليست المعلومات التي ''لا نعرفها'' هي التي تجعلنا نخطئ في القرار، بل تلك التي ''نثق'' بها أكثر مما يجب''.
من طرق السعي وراء السراب التي حذرت منها COSO هي تفضيل المعلومات التي تؤكد أفكارنا الأولية وانطباعاتنا الأساسية عن حل المشكلة. تفضيل يصل إلى حد البحث عنها وفيها فقط، ونتجاهل أي معلومات أخرى أو نعتبرها ثانوية أو نحاول أن نربطها بعوامل غير مطروحة. مثلا، عندما نطرح مشكلة قبول الطلاب في الجامعات ما الحل الأولي المطروح؟ مباشرة إنه البحث عن معيار لتقييم الطلاب قبل التحاقهم بالجامعة، وعلى أساس أن هذه المعايير هي أفضل طريقة للتنبؤ بنجاح الطالب. ذلك أننا دائما نعتقد أن المشكلة في قدرات الطلاب وليس في الجامعة نفسها. والآن اطرح المشكلة في مجلس لجامعة أو لجان اطلب تقديم أدلة موضوعية للمشكلة تناقش كل الاحتمالات، وتفاجأ إذا انتهى الاجتماع بتجاهل أي معلومات غير معدل الثانوية ودرجة القياس. المشكلة ليست في الحل نفسه، بل في طريقة الوصول إليه، المشكلة هنا في النزعة لتأكيد حلول مبسترة وليس تبني دراسة علمية موضوعية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي