رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


عندما تكون آليات التفاوض في أوج جودتها

في هذا العالم، ليس دائماً أصحاب الحقوق ينتصرون. ولنا أن ننظر حولنا، لنرى حقوقاً عربية ضائعة وأخرى على طريق الضياع. لا بد أن يكون هناك دائماً من يدافع عن الحقوق، حتى لو اعترف خصمها ضمناً (أو باطنياً) بها. نحن لا نعيش في زمن الخليفة الفاروق ـــ رضي الله عنه، نحن في زمن يضيع فيه الحق، إذا لم يكن مستنداً إلى قوة دفاعية، ومن الأفضل أن تكون ماهرة أيضاً. قضايا الدعم والإغراق التي رُفعت ضد المملكة، كانت تستهدف في الواقع حقاً سعودياً واضحاً، تماشى مع التزاماتها في منظمة التجارة العالمية، بما يكفل مصالح المملكة وشركاتها ولا سيما البترولية منها. ومع ذلك كان الفريق الذي خاض مفاوضات ومباحثات مع الدول التي رفعت تلك القضايا، على قدر الطرح والقضية بمجملها، وعلى مستوى تحركات الأطراف الأخرى، التي كانت تسعى بكل ما تستطيع للوصول إلى أفضل أحكام لمصلحتها في مسألة الدعم والإغراق. الوضوح، النزاهة، الشفافية، المهنية، شكلت في النهاية الأسس التي استند إليها الفريق المفاوض، الذي عرف منذ البداية أنه يفاوض ويحاور جهات ليست طيعة، وليست قابلة للانكسار، ولم تكن في الواقع مستعدة للتراجع.
وعلى هذا الأساس، سحبت المفوضية الأوروبية دعاوى الدعم والإغراق من المحاكم، وأقدمت الهند على إلغاء الرسوم المفروضة بهذا الخصوص، وبالأمس أغلقت تركيا قضية الإغراق ضد المملكة، التي تخلصت تماماً من كل القضايا المرفوعة ضدها بهذا الشأن. ولعل أهم شيء هنا، أن إنهاء هذه القضايا وإغلاقها، لم يتم على حساب المصالح السعودية، بل كانت هذه المصالح على رأس أولويات الذين انبروا يفاضون هنا ويجادلون هناك.
فليس أسهل من التخلي عن المصالح، كي تنتهي من الأزمة أي أزمة، يضاف إلى ذلك، أن المملكة لم تخرج في مفاوضاتها المضنية في الكثير من الأحيان، عن التزاماتها الدولية. فهي من أكثر الدول احترماً لالتزاماتها، وأكثرها أيضاً حرصاً على حل المشاكل بالحوار الهادئ. ولذلك، كان غريباً أن تتعجل بعض الدول في رفع قضايا الدعم والإغراق، وأن تمضي قدماً في هذا المجال. والحقيقة أن حكومات الدول التي سارت في هذا الطريق سابقاً، لم تستطع أن تقاوم ضغوط الشركات التي استهدفت قطاع البتروكيماويات السعودي، فقد كانت تحسب الأمور وفق المعيار السياسي، لا المعايير الواقعية على الأرض. فعلى سبيل المثال، لا يمكن أن تفر الحكومات الأوروبية من نفوذ وتأثير الشركات الكبرى، فكيف الحال بالشركات والمؤسسات التي تتعاطى مع قطاع البتروكيماويات في المملكة؟!
لا تكتفي المملكة بحل قضايا الدعم والإغراق لمصلحتها فقط، بل تأخذ دائماً في اعتبارها الحفاظ على العلاقات المتوازنة مع الدول والجهات التي رفعت هذه القضايا. وهذا يمثل أفضل معايير الحكمة في العلاقات الدولية. فقد كان الأمير عبد العزيز بن سلمان مساعد وزير البترول والثروة المعدنية لشؤون البترول رئيس الفريق المعني بقضايا الدعم والإغراق، واضحاً في الحالة التركية، عندما أكد أن الإلغاء التركي الذي اتخذ في السابق، يأتي معززاً لإيجاد بيئة للتعاون في مجالات متعددة. أي أن المملكة ـــ وإن كسبت وفازت ـــ فهي حريصة على تطوير علاقاتها، خصوصاً مع دولة إسلامية قريبة من العالم العربي كتركيا. فالدفاع عن المصالح، لا يعني في القاموس السياسي السعودي القطيعة مع الطرف الآخر، خصوصاً إذا ما كان التعاون مع هذا الطرف، يدعم المصالح الوطنية السعودية نفسها، دون أن يضر بمصالح الآخرين.
إن قضايا الدعم والإغراق، ستكون جزءاً من الماضي، ولا سيما أن المؤشرات كلها تدل على أن دولة مثل الصين، تسير في الطريق نفسه الذي سارت فيه الدول الأخرى. إن الانتصار التفاوضي في هذه القضايا، يعزز أيضاً مسيرة المملكة في أي مفاوضات اقتصادية قد تفرض عليها في المستقبل. إنها متسلحة بأجود آليات التفاوض.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي