مركزية القطاع العام
انتقد عدد من أعضاء مجلس الشورى وزارة الشؤون الاجتماعية بسبب ''المركزية القاتلة''، حسب تعبير بعضهم. هذه الانتقادات كانت أثناء مناقشة تقرير الوزارة للعام المالي 1430/1431هـ. عبر المنتقدون عن استغرابهم لقلة عدد الجمعيات الخيرية التي تشرف عليها الوزارة مقارنة بدول العالم، كما انتقدوا عدم شفافية الوزارة فيما يتعلق بخط الفقر وعدد الأسر المستفيدة من الإعانات، وعدم وجود استراتيجية لمحاربة الفقر في التقرير، أمور أخرى كثيرة مهمة وردت في جلسة المناقشة التي حضرها الوزير، وكل منها يستحق مقالاً خاصاً.
أناقش في مقالي هذا جزئية المركزية التي وردت في النقاشات. متهمو وزارة الشؤون الاجتماعية بالمركزية هم مسؤولو شغل - أغلبهم - مراكز قيادية في القطاع العام، كما يعلم جميعهم أن المركزية هي السمة المميزة لكل وزارات الدولة دون استثناء، بل أكاد أجزم بأن وزارة الشؤون الاجتماعية من أقل الوزارات مركزية لأسباب عدة:
هذه الوزارة مضطرة للتعامل مع المحتاجين، وهم غالباً في الأطراف وليسوا في المركز، كما أنها تصرف إعانات بمبالغ هائلة تصل إلى مستحقين في كل أنحاء المملكة من خلال تنظيم موحَّد مهمته دراسة الحالات وتحديد المحتاجين ومتابعة المستحقين. لا تكاد تخلو محافظة من مكتب للشؤون الاجتماعية التي تطورت أساليب عملها وتعاملها مع الناس خلال السنوات الأخيرة. تبقى مجموعة إجراءات تعيد المعاملات للمركز - حالها حال كل وزارات الدولة، فقنوات البيروقراطية المركزية موجودة رغم الوجود الجيد في المناطق.
حين نقارن حالة وزارة الشؤون الاجتماعية بوزارات الدولة الأخرى، نستطيع أن نقول إنها ليست المأمول، لكنها في حكم المعقول. تستدعي إجراءات بعض الوزارات أن يحضر أصحاب الحقوق أو ممثلوهم إلى العاصمة ليحصلوا على حقوقهم أو يطالبوا خصومهم، هذه مركزية يمكن تفاديها - نظاماً - من خلال تفويض الصلاحيات.
إن هدف أي منظومة حكومية خدمة المواطن، ومع التطور الحاصل في وسائل الاتصال والدعم الكبير لإدخال التعاملات الإلكترونية، يفترض أن يصل إلى المواطن حقه وهو في بيته، إلا أن طلبات المشاريع الخدمية، خصوصاً الطرق والمستشفيات والمدارس تمر من خلال المركزية الآنفة الذكر. فليس هناك تقنين لميزانيات محددة للمنطقة، إنما هي جزء من ميزانية الوزارة، وللوزارة صلاحية تحديد الأولويات ومن ثم تعديلها، ما يضطر المواطنين إلى مراجعة فروع الوزارات في المناطق التي تتعذر بمحدودية الصلاحية.
يحتاج الأعيان وممثلو المستفيدين إلى الذهاب للقاء الوزير ونوابه ووكلائه والوكلاء المساعدين للحصول على الموافقات اللازمة لتسريع تنفيذ المشاريع الخدمية التي تحتاج إليها مناطقهم. هذه النظرية عززتها حالة انعدام الشفافية، وعدم عرض المشاريع، وتعريف المواطنين بأولوياتها، بل المجاملات لمناطق على حساب أخرى ومواطنين على حساب آخرين.
أبرز مظاهر المركزية لدينا هي أعداد العاملين في الوزارات، والحيز الكبير وعدد المباني التي تشغلها كل وزارة، و''ملحقاتها''. أعداد الموظفين في ازدياد وأعداد المنشآت كذلك. يفترض مسؤولو الوزارات أن جميع الهيئات والإدارات التي ترتبط بالوزارة لا بد أن تبقى في حضنها. يكفي أن تطلع على الهيكل التنظيمي لأي وزارة لتلاحظ العدد الكبير من الإدارات التي ترتبط بالوزير وعدد النواب والوكلاء الذين لا بد أن يكونوا بالقرب منه. حتى أن هناك مؤسسات وهيئات مراكزها الرئيسة في الرياض رغم أن أعمالها لا علاقة لها بالعاصمة، والأمثلة كثيرة، بل إن العدوى انتقلت للقطاع الخاص، وشركة سابك مثال واضح لذلك.
مركزية الخدمات الصحية هي المصيبة الحقيقية، لا يزال المرضى يتجهون إلى الرياض لعلاج حالات عادية وإجراء جراحات بسيطة كجراحات العيون، فضلاً عن الأمراض المستعصية. هذه هي المركزية القاتلة يا أصحاب السعادة.