الحفلة العربية
إشكالية الحرية، في قراءتنا لها تبدو شديدة التعقيد. والأحداث التي نشهدها أخيرا تؤكد أن معظم من يطالبون بالحرية، يتحدثون عن حرية من طرف واحد فقط. بمعنى أن يقوموا بعملية تبديل للأدوار، فيتحولون إلى ممارسين للحرية مع مصادرتها من سواهم.
هذه الأمثولة العربية تتجسد من خلال حالة الضيق التي تتبدى في حواراتنا. فالحقيقة هي أنا. وإن لم تنصت لما أقول، فلا بأس من وضعك في زاوية الأضداد ورجمك، سواء كان هذا الرجم تكفيرا أو حتى اتهاما بالتطرف.
وبين تطرف من يرى أنه هو الدين، وإفراط من يرى أن على المجتمع أن يخرج على الثوابت، تظهر حقيقة الوسطية المنشودة في كل أمر. فإذا كان الإفراط في الطعام ضار، والإقلال منه ضار، فإن الإفراط في احتكار التفكير بالنيابة عن الآخرين ومحاولة اقتيادهم صوب ما نعتقد أنه حقيقة مطلقة، تفرز مجتمعات تعاني التشوه، لأن كل فئة تكاد تضمر الكراهية والتربص بالآخر.
عندما نقرأ القصة بهذه الصورة، سوف نجد أن خلافاتنا على المفاهيم العامة، لا يمكن أن تغدو خلافا صحيا، طالما أن الأمر دوما يركز على من القائل، فإذا كان القول - مهما كان راجحا - قد جاء ممن أختلف معه، فإن قبوله يغدو محل نظر.
بعض من يستشرفون الصورة الحالية في العالم العربي، يقرون بأنها مقلقة جدا، لكن يواجههم تيار آخر يصر على أن هذه القراءات مغرضة وليست سوية.
واقعيا هؤلاء وهؤلاء يجترون أفكارا لأشباح خفية تسوق القطيع إلى المسار نفسه. لهذا تتكرر الصور السلبية، فيما يشبه الاستنساخ لأحداث حفلة مجنونة لا أحد يستطيع تخمين نهاياتها.