رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


بين النظام الجديد للإدارة وتجاوز النظام!

الاحتجاجات الطلابية التي حدثت في جامعة الملك خالد في مدينة أبها ليست كما يتصورها البعض ممن هم خارج حدود الوطن على أنها ظاهرة شغب أو خروج عن النظام، فالعلاقة بين الحاكم والمحكوم في السعودية علاقة فطرية متينة مبنية على مبادئ الإسلام العظيمة والقيم العربية الأصيلة، وهي علاقة أساسها بيعة شرعية وعقد اجتماعي عظيم يقع في وجدان المواطن ويكون جزءا من مكونه القيمي لتكون الرقابة ذاتية دافعها في ذلك التقرب إلى الله بطاعة ولي الأمر في السر والعلن. وهذا النهج الإسلامي الذي تربى عليه الفرد السعودي يمنحه الكرامة والعزة لأن الوطن وطنه والقيادة منه وإليه والجميع يربطهم حبل الله المتين إخوانا متآلفين ومتحابين يسعون للخيرية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا ليس تنظيرا أو مغالاة في الوصف أو تنميقا إعلاميا، لكن واقع ملموس يعلمه ويحسه من عاش بين السعوديين. البعض ينعت نظامنا السياسي بالمتخلف والرجعية فقط لأنه من نبت هذه الأرض الطيبة ويحكم على هدي من الكتاب والسنة والأخلاق العربية، لم يكن مستوردا غريبا ولم يأت على ظهر الدبابة ليجعل أعزة أهلها أذلة، ولم يحكم تجبرا وتكبرا وبطشا وظلما. فموقع الملك من المواطن موقع الوالد الحاني يقف على مسافة واحدة من الجميع، تشاهد ذلك في جميع المناسبات العامة والخاصة حين يختلط المواطنون بجميع مستوياتهم ومشاربهم مع ملكهم دون حواجز أو تعقيدات بروتوكولية ليكون الباب مفتوحا على مصراعيه لا فرق بين قوي وضعيف، ولا غني وفقير، الكل محفوظ الكرامة، كرامة أصيلة ليست مزيفة أو صورية، إنما أساسها العدل والمساواة. هذه العلاقة الحميمية بين الحاكم والمحكوم تفضي إلى خلق وضع من الانسجام والسلام والثقة والاطمئنان تدور في فلك الشريعة تحفظ الحقوق وتدير الاختلاف وتضبط المجتمع دونما تكلف أو اصطناع.
لذا كان من اللازم فهم مطالب الطلاب والطالبات في جامعة الملك خالد في هذا السياق، فهي بمنزلة مناشدة لولاة الأمر في اتخاذ موقف لتعديل الأمور التي بلغت حدا لا يحتمل. فالمواطنون بجميع فئاتهم ومستوياتهم اعتادوا تدخل القيادة العليا لمعالجة مشكلات هي من اختصاص السلطات التنفيذية. وإذا كان ذلك ممكنا فيما مضى لبساطة الأوضاع والموضوعات فإن الأمر لم يعد كذلك، فعدد السكان تضاعف عدة مرات وزادت نسبة التحضر وتطورت تقنية الاتصال وارتفع سقف التوقعات وتغيرت أنماط الاستهلاك ولم يعد المجتمع في منأى عما يحدث في العالم من أقصاه إلى أقصاه وأصبحت وتيرة التغير سريعة جدا وفي كل اتجاه. كل ذلك يقتضي التفكير بعمق وواقعية وعقلانية في تطوير هذه العلاقة الحميمية بين الحاكم والمحكوم بأسلوب يتناسب مع العصر ومستجداته في ظل الثوابت الوطنية. ويقع في جوهر عملية التطوير نظام الإدارة العامة وآليات صنع القرار العام وأسلوب اختيار القيادات الإدارية لتكون فاعلة ومؤثرة وتستجيب لمتطلبات المجتمع. إن الكلمة السحرية هنا هي الاقتراب أكثر لاحتياجات المواطن كما ونوعا وجودة. لذا فإن الحكم على فاعلية الإدارة العامة ترتكز في المقام الأول على مدى استجابتها لمتطلبات المواطنين ولا شيء آخر. وهذا يعني أنها تثبت جدارتها وتأثيرها في الوقت الحاسم والأوضاع الصعبة. فلا المباني الضخمة ولا الإجراءات المطولة ولا الهياكل الإدارية المنمقة ولا الاستراتيجيات المطبوعة على ورق مصقول تجدي نفعا إذا لم تحقق طموحات وتطلعات المواطن. إن المشكلة الأزلية للإدارة العامة السعودية تكمن في المركزية الشديدة والاعتماد الكبير على البيروقراطية في صناعة القرار العام. فقد استحوذت البيروقراطيات العامة ممثلة في الوزارات والهيئات المركزية بسلطتي التشريع والتنفيذ وأصبحت دون رقابة اجتماعية تمارس عليها من خلال مجالس نيابية منتخبة واكتفي برقابة من تنظيمات هي الأخرى بيروقراطية فراحت تركز على الإجراءات الورقية دون الالتفات للأداء والنتيجة النهائية ودون الربط بين المدخلات والمخرجات. وهذا ربما يكون العائق الأكبر والسبب الرئيس لعدم كفاءة وفاعلية الإنفاق السخي للدولة. وما يزيد الطين بلة هو النظام المالي العام العقيم، فهو معقد لدرجة يسمح بالتجرؤ على المال العام وهو أشبه ما يكون ببيت العنكبوت يصطاد الهفوات الصغيرة، لكن لا يستطيع الصمود أمام المتنفذين وكأنهم ريح صرصر عاتية تقتلعه ليكون كما لم يكن. فهذه الاستثناءات تذيل بها جميع الأنظمة لتنسفها فيصبح الاستثناء هو القاعدة وتتلاشى مواد النظام وتصبح كالسراب يحسبه الظمآن ماء. لقد أصبحت مخالفة النظام وتخطيه أمرا مألوفا وجزءا من الثقافة التنظيمية والاجتماعية وكأن الأنظمة إنما وضعت لتخالف. وتلبس الكثيرون اعتقاد أنه فوق النظام وأنه يحق له ما لا يحق لغيره، وبلغ التعدي على حقوق الآخرين حد المباهاة. فلا يستنكف أحدهم عن أن يعلن أمام الملأ أنه تحصل على ما لا يحق له. هذا التجرؤ على النظام الإداري خلق وضعا مربكا ومشوشا، خاصة لتلك القيادات الإدارية التي تسعى إلى تطبيق النظام، وهو في الوقت ذاته منح مساحة واسعة لبعض أصحاب المناصب في استغلال السلطة وإساءة استخدامها بقصد أو دون قصد. وعندما لا يفرق النظام بين الغث والسمين وبين الذين يعملون والذين لا يعملون فإنه يشل حركة الأجهزة الإدارية وتصبح عاجزة عن أداء مهامها وتفقد ثقة الناس التي هي قوام الإدارة العامة.
هذا الوضع الإداري لا يعكس النوايا الصادقة لولاة الأمر ولا يمثل الحالة الاجتماعية المتميزة ولا الإرث العظيم للوالد المؤسس الملك عبد العزيز - رحمه الله - وحكمته في الإدارة والسياسة. وكان لا بد من إعادة صياغة نظام الإدارة العامة بناء على فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية لتتحقق الرقابة المتوازنة حتى لا تتفرد جهة بالسلطات على جهة أخرى ولتكون هناك شفافية ومحاسبة على النتيجة وليس الناتج. إن هذا الأمر في غاية الأهمية ليضمن استقرار واستمرارية العلاقة المتميزة بين أبناء الشعب السعودي النبيل وقيادته الحكيمة الشرعية ويرتقي بها إلى مستويات أعلى من النضج ويعزز ويبرز القيم الإسلامية الحضارية والثقافة العربية الأصيلة للنظام السعودي بصورة عصرية تخلق قنوات للتعبير مقننة تحت قبة المجالس النيابية وليس بمظاهر احتجاجية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي