أروى: من قال إني أصبتُ بمرض الموت؟!
* أهلا بكم في ''مقتطفات الجمعة'' رقم 431.
***
* حافز الجمعة: علينا أن نعترف بحتميات الحياة، ومن حتميّاتها أن لا شيء يدوم أبدا.. حتى المشاكل!
***
* صاحب ''الكشاف'' في تفسير القرآن الإمام الزمخشري كانت به جسارة أمام قوة السلطة، وبالطبع لنا رأي متحسس من الفكر المعتزلي، والزمخشري أعلن معتزليته إيمانا بها جهارا في وقت كان مذهب المعتزلة مضطهدا من الحكام، ومستنكرا من العلماء، ومزدرىً من العامة، وكان يجاهر بأن القرآن مخلوق، وهو رأي المعتزلة كما نعرف، حتى أني قرأت أنه كاد يقول في افتتاحية كتاب التفسير ''الحمد لله الذي خلق القرآن..'' ولكن لنورٍ في قلبه غيّر وكتب: ''الحمد لله الذي أنزل القرآن''. وإنك تعجب هنا أن هذا الرجل العالِم الذي تلقى العلمَ والحديث على أئمة الفقه الحنبلي يصرّ على رأيٍ فيه مجافاة، فلا تعلم أهو ضربٌ من الشجاعة في إعلان الرأي؟ أم عناد ومكابرة تُعمي الإنسان مهما علم الرأي؟ على أني أجد في سيرة هذا الرجل الفائق الذكاء طاقاتٍ من المعرفة والأحداث جعلته شخصاً استثنائيا.. وهنا ينبع تساؤلٌ لكم من واقع شخصه: هل يعتبر الإنسانُ بطلا حتى ولو أصر على الخطأ إيماناً به؟
***
* ومن قصص وعِبر الإمام الزمخشري أنه بقريته ''زمخشر'' كان صبيا شقيّا يزعج والدته بشقاوته، وفي يوم صاد عصفوراً وجرّه من رجله بخيطٍ متعمّدا حتى انقطعتْ رجله، فصرخت أمُّه بوجهه، عطفا على الطير، قائلة: ''قطعَ اللهُ رجلك كما قطعت رجلَ العصفور''. مرّت السنون، وراح الزمخشري شابا يافعا يطلب العلمَ بمدينة بُخارى، وبالطريق جفلتْ دابّتُه التي يركب عليها ووقع من ظهرها، ثم التهبتْ رجلُه وتورّمت حتى وجب قطعها.. فقُطِعَت! ورغم كون الزمخشري معتزليا يرد الأمور لأسبابها.. إلا أنه لم يقل ذلك، بسبب فرط إيمانه بقدر الله تعالى وأن كل شيءٍ بقدر مقدور، واعتقَدَ أن اللهَ استجاب لدعاء أمّه لا بنظريته المعتزلية. وهنا تجد في قلبه نورا، ولكن العقل أحيانا يكون أيضا شقيا فيقطع رجلَ الحقيقة كلما أصرّتْ على النهوض. لي من هذا الرجل اعتبارٌ وعبرة.
***
* شخصيتا الأسبوع: ''بثينة'' و''أروى''، بثينة صديقة لأروى، وأروى أصيبتْ بمرض الرحمة، وقيل إنها ستموت، وبفضل الله عليها ثم بفضل عزيمتها وإيمانها شُفيَتْ، وكتبتْ تجربتها ليكتسب منها الجميعُ العِبَر، ولإضاءة منارة إيمانٍ ساطعٍ في قلوب المرضى. لم تنشر ''أروى'' ما كتبته أو أنها لم تجد منفذا لنشره، فما كان من صديقتها المخلصة ''بثينة'' إلا أن بحثت وأصرت على البحث، وأرسلت لي ما كتبته صديقتها، ولم يكن دافعُها إلا نفع الآخرين من واقع تجربة لبنتٍ بمنتهى الشجاعة، والمحبة لأخواتها ولإخوانها المعانين من المرض. أضع هنا مقدّمة ما كتبته ''أروى''، ولعلي أضع لكم كامل ما كتبته بمقال الإثنين القادم:
''الإهداء: إلى من سكنتهم تلكَ الخلية فأكلت معهم وشربت. صنعت في عقولهم ذاكرة جديدة لها، فمزقت أحشاءهم. وأرقتْ مضاجعهم. وإلى من لا يعرف من الكلمات إلا اليأسَ والتثبيط يلقي بالكلمات ولا يلقي لها بالاً يدعي أنهُ مؤمن ويغفل: ''إنهُ لا ييأسُ من روحِ الله إلاّ القوم الكافرون''. كان الأوائل يطلقون ''مرض الموت'' على المرض يصابُ به الرجل فيموت قبل أن يبرأ منه فيكون السبب الظاهر للموت.. بينما قد يكونُ مرض الموت عبارة عن حمى يسيره وقد تكونُ حتى زكاما، أيُّ مرض مات معك فهو مرض موت. أما الأواخر، فأطلقوا مرض الموت على من تنبضُ قلوبهم بالحياة. من قال إني أصبتُ بمرض الموت؟ إني أُصبت بمرض فقط.. بل إنه ''مرضُ الحياة''. إنه المرض الذي أصابني بالحياة.. فأبصرني بالحياة، وأسمعني الحياة وأطمعني بالحياة. وسقاني الحياة''.
***
* كيف تثق بأحد ليس عنده نقد؟ القاص إدوارد بيلاميEdward Bellamy أول من تخيل بقصته ''النظر إلى الخلفLooking Backward'' بطاقات الائتمان. من عام 1960م بدأت تظهر بطاقات الائتمان من النوع الورقي الخاص الذي يصدره التجار لزبائنهم، حتى دخلت مادة البلاستيك وأخرج ''بنك أمريكا'' أول بطاقة ائتمان مُدَشِّنَةً عصرَ المديونية الفردية الكبرى.. يتخاصم باحثو الاقتصاد الاجتماعي؛ هل نفعت تلك البطاقة الصغيرة؟ أم نهشت جيوب الملايين؟ كل منكم له رأي، وسينصب على صاحبنا بيلامي إما شكرا أو ذما!
***
* والمهم: نصيحةُ حياة: لا تأتي متأخراً!