رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الاستهلاك يزيد وينقص في وقت واحد!

مشكلة النظرية الاقتصادية الأولى هي محاولة العثور على توازن بين نوعين متضادين من الحوافز.. ''العرض والطلب''.
لدينا العبارتان التاليتان:
العبارة الأولى: العلاقة عادة وباستمرار عكسية بين الأسعار والكميات المطلوبة من السلع. بمعنى أن انخفاض الأسعار يغري المستهلكين والمشترين عامة بزيادة مشترياتهم. وبالعكس، ارتفاع الأسعار يقللها؛ لأن القدرة الشرائية تنخفض. طبعًا الكل يعرف أن الأسواق تعطي تخفيضات في الأسعار بهدف زيادة المبيعات.
العبارة الثانية: الأسعار زادت بشدة والطلب قد زاد بشدة أيضًا. على سبيل المثال، زادت أسعار السلع والخدمات خلال الأعوام القليلة الماضية زيادة كبيرة. في الوقت نفسه، زادت الكميات المشتراة/المستهلكة من هذه السلع والخدمات زيادة كبيرة خلال الأعوام نفسها.
هل العبارتان متناقضتان؟
هل يصلح أن نناقض هذه العلاقة العكسية استنادًا – مثلاً - إلى ارتفاع الطلب على السلع، خلال فترة كذا، مقرونا بارتفاع أسعارها خلال الفترة نفسها؟
قد يفهمها بعض الناس على أنهما متناقضتان، لكنهما ليستا كذلك. الأولى صحيحة والثانية صحيحة.
لكن عندنا قوتين متضادتين: ارتفاع الأسعار يخفض الطلب وزيادة الدخل تزيد الطلب.
كيف إذا اجتمعا؟
صافي التأثير للأقوى منهما. بالنسبة للمجتمع، هذا من حيث الأصل والمبدأ، وهناك تفاصيل لا بد أن تراعى.
من التفاصيل، أن بعض الناس يزيد طلبه بنسبة تتفاوت مع زيادة نفس الدخل. من التفاصيل، التفاوت الكبير بين الناس في تأثرهم بتغير الظروف الموسمية مثلاً.
رغم أن المبدأ هو أن ارتفاع الأسعار يخفض الطلب، لكن بعض السلع تكتسب سمعة وقيمة معروفة، بحيث لا يتوقع أن أسعارها تقل عن مستويات كذا – السيارات الفاخرة، على سبيل المثال. لو عرضت بأسعار منخفضة عن تلك المستويات لزهد فيها.
هل ينقض هذا الزهد قانون الطلب؟ لا. لكل مقام مقال. يجب فهم كل قانون اقتصادي في نطاقه وفي المعنى الذي يتناوله.
هذه مشكلة يواجهها من يكتب عن تأثير متغيرات على متغيرات. في العادة يكون الحكم على المبدأ، دون إنكار لوجود تفاصيل، لكن بعض الناس يعترض استنادًا على تفاصيل مع تجاهل للمبدأ.
عند طرح آراء تبنى على مبدأ، قد يعترض معترضون بناء على حالات خاصة، فيرفضون المبدأ، ويوسعون الحالات الخاصة، ولو تمعنوا لوجدوا أن تلك الحالات تقيد المبدأ، دون أن تلغيه.
تطبيقًا، أجريت دراسات عديدة جدًّا في الدول الصناعية على تأثير الهجرة إليها على الأجور في تلك الدول. وهذا يشبه من وجوه كثيرة استقدام اليد العاملة للعمل في دول الخليج. الفهم المبدئي أن تدفق المهاجرين يعني زيادة العرض من اليد العاملة، وهذا يعني انخفاض أسعار اليد العاملة (الأجور).
لكن ذلك ليس صحيحًا دومًا. ولكنه المبدأ، أي العادة والغالب.
أجريت عدة دراسات في أمريكا (وربما في غيرها أيضًا)، ودلت على أن الهجرة لا تتسبب في خفض الأجور. كيف؟ تلك الدراسات أجريت على مدن مثل ميامي ونيويورك التي شهدت موجات كبيرة من المهاجرين ولم تشهد هبوطًا في الأجور، مقارنة بمدن ومناطق حضرية أخرى استوعبت مهاجرين أقل عددًا، ولكن الأجور فيها انخفضت. الطلب على اليد العاملة في المجموعة الأولى قوي، بخلاف الثانية، ولذا فالأمر ليس متعلقًا بقدر تحرك العرض فقط بسبب الهجرة، بل أيضًا بقدر تحرك الطلب.
قدر تحرك الطلب على العمل يعتمد على تغير الظروف المؤثرة فيه، وقدر تحرك العرض يعتمد على مدى سهولة الهجرة، بافتراض بقاء حجم اليد العاملة المحلية دون تغيير.
ما الذي يحدث للأجور لو زاد الطلب، وبقيت الأشياء الأخرى على حالها، مثلاً لم تكن هناك هجرة أصلاً؟
سيكون هناك عجز عمل، مما يضغط على الأجور لترتفع، مما يزيد عدد الراغبين في العمل، حتى الوصول إلى نقطة توازن جديدة. أجور العاملين في الشركات ارتفعت، مما يعني ازدياد التكاليف التشغيلية. وتبعًا لذلك ترفع الشركات عادة أسعار منتجاتها. وهكذا في دوامة زيادة أجور فزيادة أسعار... إلخ.
الخلاصة، أن قانون العرض والطلب مؤكد. لكن ذلك لا يتناقض مع وجود عوامل متغيرة باستمرار، يتأثر بها العرض و/أو الطلب، وقد يتوهم الواحد بسببها أن القانون محل شك. والوقائع الاقتصادية، بطبيعة الحال، أكثر تعقيدًا في العادة من التوضيح السابق. وقانون العرض والطلب لا يكفي لفهم هذه التعقيدات، ورغم ذلك فهو يبقى الأساس. وبالله التوفيق،

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي