رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التضخم خلال 3 عقود

تصدر مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات نشرة شهرية للأرقام القياسية لتكاليف المعيشة. ويعتبر التغير في الرقم القياسي العام لتكاليف المعيشة أفضل أداة لقياس تأثير تغير الأسعار على تكاليف المعيشة التي تواجهها الأسر القاطنة في المملكة (معدلات التضخم التي يواجهها المستهلك). ويبذل القائمون على إصدار نشرات الأرقام القياسية لتكاليف المعيشة جهوداً كبيرة للخروج بالرقم القياسي العام. ومع كل الجهود المبذولة للخروج بأرقام تعبر بصورة صادقة عن التضخم إلا أنه لا يمكن إنكار وجود فرص لحصول هامش من الخطأ في قياس التضخم.
ويدخل في تكوين الرقم القياسي العام ثماني مجموعات رئيسة كما هو موضح بالجدول المرفق. وتساهم كل مجموعة بحصة من إجمالي سلة المستهلكين التي تقاس في المملكة. وتعتبر مجموعة الأطعمة والمشروبات أكثر المجموعات الاستهلاكية تأثيراً على الرقم القياسي لتكاليف المعيشة. وتتكون كل مجموعة رئيسة من مجموعات فرعية، حيث يبلغ عدد المجموعات الفرعية في مجموعة الأطعمة والمشروبات مثلاً 16 مجموعة فرعية. وتضم كل مجموعة فرعية عددا من البنود (السلع والخدمات التي تندرج تحت المجموعة)، فمجموعة الحبوب ومنتجاتها الفرعية تضم أنوع الخبز والأرز وهكذا، ويصل مجموع السلع فيها إلى 23 بندا. وتحتوي كل من المجموعات الفرعية على عدد من البنود يرتفع أو ينخفض حسب خيارات المستهلكين، وليس على أساس مزاجي أو اعتباطي كما يتصور البعض. حيث يتم اختيار هذه السلع والخدمات بناءً على مسوحات الإنفاق الأسرية والتي تظهر أهم السلع والخدمات التي يستهلكها عموم المستهلكين.
ونظراً لتغير أذواق المستهلكين مع مرور الوقت فإن السلع والخدمات المستهلكة تتغير وتتغير معها أهميتها. ولهذا فإن افتراض نوع أو عدد معين من السلع خلال فترة زمنية طويلة غير منطقي وغير مقبول. فالبنود في المجموعات الرئيسة الاستهلاكية تشهد تغيرات كبيرة مع مرور الوقت، فالبعض منها يختفي أو يقل استخدامه، فالفيديو كان شائعاً منذ ثلاثة عقود أما الآن فقد اختفى، كما ارتفعت أهميتي الأكل خارج المنزل والتعليم الخاص في الوقت الحالي مقارنةً بما كان عليه الوضع منذ 30 عاماً. وقد دخلت في السلة الاستهلاكية الكثير من السلع والخدمات مثل الجوال والإنترنت والتأمين والتي لم تكن موجودة في سلال المستهلكين القديمة. وإضافة إلى ذلك ارتفع عدد السلع والخدمات الاستهلاكية في المملكة بحجم كبير خلال العقود الثلاثة الماضية بسبب التطور التقني وتغير أذواق ودخول المستهلكين، ولهذا فإن سلة المستهلك التي كانت تحتوي على عدد محدود من السلع والخدمات ارتفعت بقوة. كما طرأ الكثير من التحسن على نوعية بعض السلع وتراجعت أسعارها كالذي يحصل في السلع الإلكترونية مثل التلفزيونات والحواسيب. ونتيجةً لذلك فإن قياس التضخم بعد مرور وقت طويل يتطلب قياس التغيرات في المجموعات الاستهلاكية الرئيسة وليس التغيرات في بنود (سلع وخدمات) معينة.
وتتحمل مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات مسؤولية جمع الأسعار وإصدار الرقم القياسي لتكاليف المعيشة والذي يعتبر المؤشر الرسمي المعتمد لقياس الأسعار. ولقياس التضخم خلال أي فترة والتي من ضمنها الـ 30 عاماً الماضية يمكن الرجوع إلى بيانات المصلحة حول الأرقام القياسية لتكاليف المعيشة. ويظهر الجدول المرفق الأرقام القياسية للمجموعات الرئيسة للسلع والخدمات في كانون الثاني (يناير) عام 1982 وبعد 30 عاما في كانون الثاني (يناير) 2012م (سنة الأساس 1999=100)، كما يظهر التغير بين الأرقام القياسية للفترتين. وقد ارتفع الرقم القياسي العام لتكاليف المعيشة خلال العقود الثلاثة الماضية بنسبة 45.7 في المائة. وشهدت فترة الثمانينيات تراجعاً في الأسعار بسبب التراجع الكبير في أسعار النفط، بينما استقرت معدلات التضخم في التسعينيات وبداية الألفية. وشهدت السنوات الست الأخيرة معظم التغير في معدلات التضخم خلال فترة العقود الثلاثة الماضية.
وتظهر بيانات المصلحة أن مجموعة الأطعمة والمشروبات شهدت أعلى ارتفاعات في التكاليف، حيث بلغ معدل تضخمها في هذه الفترة 76.2 في المائة. وتلتها مجموعة النقل والاتصالات التي ارتفعت بنسبة 61.4 في المائة على الرغم من تراجع تكاليف الاتصال بسبب التطور التقني. ومن الغريب أن مجموعة الملابس تراجعت بنسبة 30.4 في المائة، كما تراجعت مجموعة التعليم والترويح بنسبة 1.2 في المائة خلال العقود الثلاثة الأخيرة. وهذا قد يشير إلى معضلات في قياس الأسعار والتي سيتم التطرق إليها بمزيد من التفاصيل في المقالات المقبلة.
وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة لقياس مصلحة الإحصاءات للتضخم إلا أنها تظل الأكثر مهنية والأقرب إلى الدقة من أي قياسات أخرى للتضخم في المملكة، ولهذا ينبغي التركيز على تطوير هذا المؤشر وتصحيح ما قد يشوبه من أخطاء لكي نصل إلى قياسات دقيقة لمعدلات التضخم. ومهما كان حجم الخطأ في قياس مستوى التضخم خلال العقود الثلاثة الأخيرة فإنه لن يتجاوز في نظري نصف أو ضعف المستوى المشتق من الأرقام القياسية لتكاليف المعيشة والبالغ 45.7 في المائة، وهذا أقل بكثير مما تم الترويج له في عدد من الإصدارات والمواقع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي