حتى لا يتحول المجتمع إلى مجموعة من اللصوص

بدأت كتابة المقال وفي ذهني أن يكون عن استغلال الأستاذ الجامعي جهود طلبته في تنفيذ أبحاث وتسميتها باسمه، أو استغلال المحاضرين والترقي الأكاديمي على حساب جهودهم. وإذا بالحالات والأمثلة تتقافز وكل منها أقوى من الأخرى. تعج الساحة بأمثلة على أولئك الذي يستغلون جهود الآخرين ويتسلقون على أكتافهم للظهور أو الترقي دون بذل الجهد المستحق.
يرأس أقوام قطاعات حكومية أو خاصة ويمارسون أعمالهم بشكل غير متقطع وفي وظائف تتطلب مجهوداً يومياً، ونفاجأ بصورهم في إعلانات التهنئة بحصولهم على شهادات الماجستير والدكتوراه، من خلال أبحاث يشترونها بمبالغ بخسة تصل إلى خمسة آلاف ريال، ثم نفاجأ بهم يغضبون عندما ينسى أحد أن يناديهم بالألقاب الجديدة غير المستحقة أصلاً.
نعيش اليوم حالات كثيرة تمارس فيها سرقات الإبداع أو الإنجاز أو حتى الفكرة. نجد المدير يسرق أفكار موظفيه وينسبها لنفسه، وعندما يكرر العمل مرة أو مرتين يصبح رد الفعل سلبياً ويبدأ الأشخاص في الاحتفاظ بإبداعهم لأنفسهم. مما يحرم الإدارة والمصلحة والوزارة كل الإبداع الذي يمكن أن يحققه تحفيز العاملين، بل قد يؤدي ذلك إلى السلبية ورفض الإنتاجية ما دام الشخص محروماً من رؤية نتائج عمله وتحتها اسمه.
تنتشر السرقات الأدبية، وسرقات الإبداعات والابتكارات بشكل أصبح فيه من النادر أن تجد فكرة أو عملا إبداعيا. مجتمع كهذا لا يمكن أن يستقر له الأمر، بل إن الشلل هو مصيره الحتمي. في المصنع تسرق الإبداعات وفي المدارس وفي المستشفيات. النتيجة الحتمية هي أن يتولى على الناس شرارهم لأنهم اللصوص وأنصاف المتعلمين والظلمة الذين يسرقون جهود الآخرين.
يبرز قول الله تعالى في سورة آل عمران (188) ''لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم''، قيمة حقيقية يجب أن تحكم الأمة التي تريد أن تزدهر وتسيطر على العالم بأسره. هذه الأمة التي يحصل فيها كل من يجتهد على حقه. تشجع الإبداع، وتكرم الفكر، وتقدر العمل الإيجابي فتسود.
هذه الآية الكريمة تفسر لنا أهمية التحفيز، المبدأ الإداري المهم في إدارة وتوجيه أي عمل. التحفيز يحقق التنافس الشريف للوصول إلى الأفضل. التنافس يذكي الفكر ويجعل الناس يحبون العمل ويلتزمون الإبداع كوسيلة للتفوق والوصول إلى القمة.
نظرة لدول العالم تعطينا فكرة عن المجتمعات التي تحافظ على حقوق الملكية الفكرية وتشجع إبداع الفرد فنجدها هي التي تحكم العالم. حفظ الحقوق واحترام المبدعين من قيم العدالة التي أمر الله بها عباده. لذلك ساد الرعيل الأول من هذه الأمة برغم محدودية إمكاناتهم العلمية والمادية. هؤلاء القوم فتحوا دولاً كانت أكثر منهم قوة وآثاراً في الأرض.
يجب أن نعود إلى أنفسنا ونحاسبها، فهذه الآية تقول لنا إنه يحرم على الرئيس أن يسرق أفكار أو اقتراحات أو إبداعات العاملين معه. كما يحرم على الأستاذ أن ينسب لنفسه إبداعات طلبته. ويحرم على الكاتب أن يسرق أفكار آخر. ويحرم أن يتحول المجتمع إلى مجموعة من اللصوص الذين يحكمون مجموعة من الضحايا التي سترى في السرقة الوسيلة الوحيدة للوصول للمنصب أو الاحترام أو الترقية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي