رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المؤشر الاعتباطي للتضخم

نشرت بعض الصحف بما فيها جريدة ''الاقتصادية'' الموقرة جدولا يدعي واضعه بأنه يقيس التضخم خلال السنوات الـ 30 الماضية. ويقارن الجدول بين أسعار 12 مادة في عام 1432هـ وعام 1402هـ. وحدد الجدول السلة الاستهلاكية لجميع سكان المملكة بوحدة واحدة من هذه المواد فقط.
فالمستهلك يستهلك سيارة هايلكس واحدة وكيس أسمنت واحدا وكيس شعير واحدا وأضحية واحدة، وهكذا إلى آخر بقية البنود الـ 12. وبناءً على الأسلوب المعوج الذي بني عليه معدل التضخم في هذا الجدول فإن السيارة تسهم بنحو 72 في المائة من إجمالي إنفاق المستهلك في عام 1432هـ. وقد وصل معدل التضخم حسب هذا الجدول خلال السنوات الـ 30 الماضية إلى 765 في المائة. والناظر إلى الجدول يرى أنه وضع بشكل عبطي، فهو يحتوي على مجموعة من المواد وضعت بشكل مزاجي، كما أنه يستثني معظم السلع والخدمات التي يستهلكها سكان المملكة. ولا يحتوي الجدول أيضاً على أي خدمة من الخدمات الكثيرة التي يستهلكها الناس في هذا البلد الحبيب ما عدا الإيجار.
والغريب أن من سئلوا عن معدل التضخم المبني على بيانات الجدول (وبعضهم ممن يدعون بأنهم خبراء) تقبلوه بصدر رحب ولم يناقش أي أحد منهم صحة هذا الجدول ولا صحة أسلوب قياس التضخم بهذه الطريقة، التي لا يمكن وصفها إلا بأنها اعتباطية. وعلى متقبلي نتائج هذا الجدول أن يتقبلوا حقيقة أنهم أفتوا بما لا يعلموا وأنهم لا يفقهون كثيراً بالتضخم وأسلوب قياسه وتاريخه. وهذا راجع إلى أن الجدول حصر استهلاك السكان في المملكة والتضخم في هذه السلع فقط التي قيست أسعارها غير الصحيحة مرة واحدة في مكان واحد، كما حصر أوزان هذه السلع في قيمة وحدة واحدة من كل سلعة إلى مجموع قيم البنود الـ 12. ومن الغريب أن الخبراء الفطاحل قبلوا بإدخال سلع غير استهلاكية مثل الأسمنت والشعير في السلع الاستهلاكية. والمتفق عليه عالميا أن هذه السلع لا تدخل في سلة المستهلك، ولكن تؤثر في مراحل لاحقة على أسعار سلع وخدمات أخرى يستهلكها السكان. ولم يتساءل أحد من الكتاب والمعلقين عن دقة قياس الأسعار الموجودة في الجدول على الرغم من أن كثيراً منها غير صحيح. فتكاليف الإيجار في عام 1402هـ والتي وردت في الجدول غير دقيقة فقد كانت الإيجارات في تلك الفترة مرتفعة بسبب نقص الوحدات السكنية المسلحة أو الحديثة. وكانت إيجارات الشقق قريبة من مستوياتها الحالية. وقد شهدت فترة الثمانينيات تراجعاً كبيراً في إيجارات الشقق بعد بناء الكثير منها إثر حركة البناء الكبيرة التي شهدتها المملكة في تلك الفترة. ويضاف إلى هذا أن سعري السيارة الهايلكس والتي وردت في الجدول وأدت إلى رفع التضخم فيه غير صحيحة في عامي 1402 و1432هـ. ومن الأخطاء الفادحة التي نتجت عن استخدام هذا الجدول هو حصر استهلاك السلع في عملية شراء واحدة وفي لحظة واحدة وفي مكان واحد.
إن قياس معدلات التضخم أو تغير تكاليف المعيشة عمل مضن وطويل ويحتاج إلى جهود كبيرة لتعكس تغير التكاليف التي يتحملها المستهلك، ولا يتم بالأسلوب العبطي والساذج الذي قام به معدو الجدول، فقبل قياس أسعار السلع والخدمات التي تدخل في معيار التضخم. تقوم إدارات الإحصاء في دول العالم بإجراء مسوح إحصائية شاملة لإنفاق الأسر الاستهلاكي. حيث تشارك آلاف الأسر في هذا المسح ويتم اختيار عينات عشوائية من الأسر، حيث تكون ممثلة لجميع السكان في المراكز السكانية الرئيسة في البلد. وتوفر هذه المسوحات بيانات عن إنفاق الأسر على السلع والخدمات والتي يختار منها السلع والخدمات التي تشكل معظم استهلاك الأسر. وبعد تحديد السلع والخدمات في سلة إنفاق المستهلكين تحدد أهميات هذه السلع والخدمات بنسب مبنية على إنفاق المستهلكين الفعلي. وإثر تحديد هذه النسب تستخدم لفترة زمنية معينة تكون سنة أو عدة سنوات ويجري تعديل سلة السلع والخدمات بناءً على مسوحات إنفاق أسري جديدة.
ويلي حصر السلع والخدمات التي يستهلكها السكان وتحديد أهميتها عملية جمع الأسعار بشكل دوري (شهرية عادة) في المراكز السكانية الرئيسة. وتقاس الأسعار بعدة منافذ أو أماكن في كل مركز سكاني. وتقاس الأسعار في المملكة في 16 مركزا سكانيا رئيسا تضم أهم مدن المملكة، ولا يقتصر قياس الأسعار في مكان واحد في المنفذ السكاني وإنما يتم بعدة أماكن. وبعد قياس أسعار السلع والخدمات التي حددت بموجب آخر بحث إنفاق أسري في المملكة بنحو 400 سلعة وخدمة، تجرى عمليات حسابية لمعرفة الأرقام القياسية لكل سلعة وخدمة في كل مركز سكاني وفي المملكة ككل، ثم تجرى عمليات حسابية أخرى لتحديد تأثير تغيرات أسعار السلع والخدمات على الرقم القياسي الموحد للمجموعات الاستهلاكية الفرعية ثم الرئيسة الثماني ثم الرقم القياسي العام. وبعد معرفة الرقم القياسي العام لتكاليف المعيشة والأرقام القياسية للسلع والخدمات الداخلة في قياسه تتم مقارنتها مع الأرقام القياسية للشهر الماضي وقبل ثلاثة أشهر والشهر المقابل من العام الماضي. وتحدد هذه المقارنة معدلات التضخم الشهرية والربعية والسنوية.
إن قياس عملية قياس التضخم والتي تم التطرق إليها بتبسيط وإيجاز سريع ليست بالسهولة والسذاجة التي ظهرت في الجدول، والذي أيده الكثير ممن يدعون أنهم خبراء، ولكنها عملية معقدة تتطلب المعرفة والخبرة، كما تتطلب الكثير من الجهد والمال. ولهذا فإن معدل التضخم البالغ 765 في المائة عام 1432هـ مقارنةً مع 1402هـ والذي بني على جدول اعتباطي مختلق ليس إلا محاولة هزلية لرفع معدلات التضخم وإثارة الرأي العام.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي