هل نحن جادون في التنمية الوطنية؟
لو استوقفت أي مسؤول في أي مستو إداري وفي أي جهاز حكومي أو مؤسسة خاصة وطرحت عليه السؤال التالي: لماذا تقوم بهذه الأعمال؟ وما إسهام إدارتك في التنمية الوطنية؟ ستكون الإجابة على شكلين: الأول أن يفتح فاهه باستغراب شديد وكأنه ليس من المفروض إثارة مثل هذا التساؤل، فمبدأه العمل من أجل العمل، وأن ينشغل الموظف أو يتشاغل بالعمل من بداية الدوام حتى نهايته، حتى وإن استدعى ذلك تمطيط المهمة التي يفترض أن تنهى بوقت قصير لتستغرق كامل الدوام وليتجمهر المراجعون أمامه فيخالجه شعور بالزهو والمكانة العالية وفي الوقت ذاته يجعله يبدو مشغولا. وهكذا تستمر الحالة الوهمية للعمل الإداري لتكون منتفخة انتفاخا مرضيا لتمنح تصورا خاطئا في أنها التنمية في أحسن حالاتها وتغرينا لتصديقها، ومن ثم تعزيزها والاستمرار على النهج ذاته دون أن يجرؤ أحد على مجرد التفكير والتوقف للحظة والتساؤل إلى أين نحن ذاهبون؟! وعندما يصل الحال في أن تنقلب الموازين والقيم ليبدو السيئ حسن وأن نقول ما لا نفعل وأن يكون هناك ازدواجية في المعايير وليتفشى النفاق الاجتماعي والإعلامي، فهذا ما يحبس انطلاقتنا نحو تنمية حقيقية. لقد أصبح الهم وأولى أولوياتنا تغيير المباني والمكاتب وزيادة الإنفاق، ولكن في حقيقة الأمر لا نحرز تقدما على مسار التنمية الاجتماعية والتطوير الاقتصادي لنظل نراوح في المكان ذاته الذي نزينه ونتغنى فيه، ولكن لا نغادره إلى محطة أخرى من التقدم العلمي والصناعي والاقتصادي والحضري.
هناك فئة أخرى تبدو أكثر استعدادا، لديها إجابة حاضرة ومرتبة، إلا أنها دون طعم ولا رائحة كالورود البلاستيكية جذابة ونضرة لكن دون حياة. هؤلاء هم أصحاب الاستراتيجيات الذين تسابقوا إلى صياغتها تمشيا مع الموضة فراحوا يدفعون ملايين الريالات لكتابتها حتى إذا ما انتهت واكتملت زينتها بغلافها الخارجي البراق وضعت لتزين رفوف المكاتب ولتقدم كهدايا تذكارية ويكون الدافع من وراء ذلك هو المظهر الشكلي، فالواقع يختلف تماما عما في الاستراتيجيات لأنها لم تطبق، وهذه مصيبة عظمى تصيب التنمية في مقتل من حيث لا ندري. ولا يقف الأمر عند ذلك وحسب وإنما يكون هناك انكفاء على الداخل وتشرنق لتسعى كل جهة إدارية إلى العمل بانفراد والدفاع والاستبسال عن مصالحها الجهوية حتى ولو على حساب المصالح العليا. وهكذا يستمر مسلسل من العمل الجاد والاجتهاد وتخصيص الموارد والوقت، ولكن دون أن يكون هناك ترابط وتعاون وتنسيق بين المؤسسات الحكومية لتحار التنمية الوطنية وتبقى في ذات المكان لا تغادره.
إن غياب استراتيجية وطنية تستهدف الوصول بالسعودية إلى مصاف العالم الأول ترك فراغا كبيرا للاجتهادات الشخصية وعزز العمل الانفرادي، وأصبحت الأهداف صغيرة وقريبة وضعفت الهمم واستصغر الموظفون أعمالهم ومهامهم، وأصبح هناك نوع من التسيب والتراخي. هل يعقل على سبيل المثال أن يتغيب كثير من المدرسين عن الحضور وتأدية واجباتهم العملية في بداية وأثناء وعند نهاية الفصل الدراسي حتى أصبح أمرا مألوفا. ليس ذاك وحسب، ولكن حتى جودة التعليم وطرق التدريس بلغت حدا لا يمكن السكوت عنه. وإذا كان هذا في معقل التربية والتعليم والتي تمثل جوهر التنمية والمحور الذي تدور حوله فما بال المؤسسات الأخرى التي تغط في سبات عميق ولم تستوعب بعد التغيرات الكبيرة التي تدور من حولنا وتتطلب الإعداد المسبق أو الاستجابة لها على أقل تقدير. مشكلتنا أننا نعيش ليومنا دون أن ننظر للأمام ونستشرف المستقبل ونستفيد من تجارب الماضي. وإن كانت قدراتنا المالية الكبيرة تساعد في التغلب على الكثير من التحديات إلا أن ذلك لا يعدو كونه علاجات وقتية. المطلوب رفع قدراتنا الاقتصادية وتطوير معرفتنا وبناء خبراتنا في مجالات محددة تمنحنا الميزة التنافسية وتؤهلنا للولوج إلى العالم الأول. إن غياب استراتيجية وطنية يجعلنا نفتقد المرجعية اللازمة التي توحد الجهود وتنسق العمل وتكون مؤشرا للأداء ومعيارا للمحاسبة. فالتنمية ليست توفير خدمات ومشاريع وبنى تحتية، فهذه وسائل وأدوات من أجل الوصول إلى أهداف وطنية تجعلنا الأفضل في مجالات اقتصادية وصناعية محددة.
الاستثناء هو في تلك المؤسسات التي تبنى قادتها رؤية وطنية وأخذوا على عاتقهم تلك المسؤولية الجسيمة في رسم الطريق للعمل الجماعي واستثمار الطاقات بنية التعاون والنجاح المشترك والتخلي عن النظرة الجهوية الضيقة. تبرز هنا ثلاثة أمثلة، وقد أكون متحيزا بسبب اقترابي من تلك المؤسسات المميزة، فهناك الهيئة العامة للسياحة والآثار والتي يقودها الأمير سلطان بن سلمان أحد الرياديين الذي أسس لمفهوم الشراكة بين المؤسسات الحكومية عبر مذكرات التفاهم وأوجد ثقافة جديدة في البيئة الإدارية الحكومية مبنية على المهنية والشفافية والمساءلة والتركيز على النتائج، والمؤسسة الثانية هي جامعة الملك سعود تلك المؤسسة التعليمية المتعلمة التي أزال أسوارها مديرها وكسر جميع الحواجز المادية والنفسية للتداخل مع المجتمع وتنصهر في نسيجه فيكون العطاء في قمته إبداعا علميا وبحثيا يخالطه بذل وعطاء من الخيرين في المجتمع لتكون الجامعة، كما أريد لها من المجتمع وللمجتمع. أما المؤسسة الثالثة فهي أمانة منطقة الرياض التي غيرت مفهوم العمل البلدي واستبقت الناس في إيجاد خدمات وأنشطة لم تعهد من قبل لتشكل المجتمع المحلي من خلال أنسنة المدينة وجعلها مكانا جذابا للعمل والعيش والفضل يعود ـــ بعد الله ــــ لأمينها المبدع الأمير الدكتور عبد العزيز بن عياف الذي يجمع بين فكر الأصالة والمعاصرة وقدرة فائقة على السعي نحو المثالية ولكن بواقعية. أن القصد من التنويه بهذه المؤسسات هو تبيان الحاجة إلى تنظيمات إدارية تنطلق من رؤية وطنية ووعي تام بدورها التنموي والبحث عن المشترك والعمل الجماعي الجاد والالتزام بالمعايير وتحقيق الجودة والاستجابة للمتغيرات والمهم أنها تعمل من أجل الناس وتحقيق مصالحهم الحاضرة والمستقبلة وإنكار الذات والتخلي عن المصالح الآنية الضيقة.
ومع اعتزازنا بهذه المؤسسات الوطنية إلا أنها لا تستطيع بمفردها أن تتحمل مسؤولية التنمية الوطنية وكان لزاما صياغة استراتيجية وطنية توضح سيناريوهات ما بعد النفط وتقود نحو بناء قاعدة اقتصادية وصناعية صلدة. هذه الاستراتيجية ستسهم ليس فقط في ارتقاء سلم التنمية ولكن وضعه على الحائط الصح وتكون بمثابة خطة طريق للجميع كل يعلم دوره والمهام المنوطة به للتوجه الجهود والموارد نحو أهداف وطنية مستقبلية محددة. هكذا فقط نكون جادين في تحقيق التنمية الوطنية التي تقودنا نحو العالم الأول وتصنع الفرق.