رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الرد على ديوان المراقبة العامة

يوم الأحد الماضي 12 شباط (فبراير) 2012 وفي عدد ''الاقتصادية'' رقم 6698، جاء رد ديوان المراقبة العامة على مقالي (ديوان المراقبة العامة: ''عندما تختلط المفاهيم تختلط المهام) ونشرته ''الاقتصادية'' في العدد 6698 بتاريخ الرابع من شباط (فبراير) 2012. والحقيقة أن هذا التجاوب السريع والتحاور مع كتاب الرأي هي سمة مميزة ويشكر عليها الديوان، ولقد كتبت عدة مقالات سابقة وكان الديوان يرد عليها ولم أرد وتركت الحكم للقارئ حتى لا تهدر المساحة التي منحتني إياها ''الاقتصادية'' في جدل بحت. لكن رد الديوان على مقالي الأخير أوضح أن الأمور أكثر سوءا مما طرحته، كما أنه جاء مع إعدادي مقالا آخر يدعم مقالي السابق، فكان هذا الرد:
لقد دأب الديوان في كل ردوده على مقالاتي باتهامي بعدم الموضوعية العلمية، وهذا أسلوب اتبعه الديوان للتقليل من شأن الطرح وأهميته، لكن الرد الأخير زاد اتهامي بأنني لا أحسن أظن بالآخرين، وكان يكيفني الردود السابقة لكني أصر على قناعتي الخاطئة التي يخالفني فيها المختصون والخبراء المشهود لهم، وأنني في نهاية الأمر مشكك تشاؤمي كحال أبي العلاء المعري الذي قال إنه جاء بما لم تستطعه الأوائل (وإن كنت أشك أن الديوان قصد هذا المعنى الأدبي العميق لبيت الشعر الذي أضافه في الرد).
الديوان يتهمني بعدم الموضوعية العلمية وبعدم واقعية طرحي. وآمل فقط من القارئ الكريم العودة لمقالي ليجد أنني استندت في طرحي إلى النظام الأساسي للديوان واللائحة التنفيذية له، والقرارات التي صدرت بعد ذلك والمتوافرة على موقع الديوان، فكيف يقول الديوان بعدم الموضوعية. وفي كل مرة أطرح رأيا لا يعجب الديوان ومسؤوليه، يرد الديوان بأني لم أقم بزيارة موقعه الإلكتروني أو قراءة أنظمته ولوائحه التي فيها الرد الكافي ولما احتجت لكتابة مقالاتي، ومن ذلك قوله إن الديوان يدرك الدور المنوط به ونطاق اختصاصه، وفي مقدمة ذلك الأمر السامي رقم 7/507/م وتاريخ 28/3/1406هـ، القاضي بالموافقة على قرار اللجنة العليا للإصلاح الإداري بشأن إعادة تنظيم الديوان وتوسيع اختصاصاته، وأرجو أن يعذرني الديوان فلم أجد هذا القرار السامي في موقع الديوان ولم أجده في نظام الديوان، الذي أشار إلى جميع التعديلات على النظام والقرارات ذات العلاقة حتى عام 1425هـ، والديوان بنفسه وفي دليل الرقابة على الأداء الصادر عام 2007 المنشور في موقع الديوان لم يشر إلى الأمر السامي هذا، ولم يستند إليه في تبرير رقابة الأداء، بل أشار إلى المادة السابعة من النظام الأساسي فقط، فمن المتهم بعدم الموضوعية الآن؟ وحتى بعد أن أشار الديون إلى هذا الأمر السامي فإنه لا يغير من حقيقة الوضع شيئا، كما سأبين ذلك.
فبرغم حرصي الشديد على الوضوح في المقال، حيث أشرت فيه بصراحة إلى قِدم اللوائح التي تحكم عمل الديوان وعدم وضوح الألفاظ وتداخل المعاني فيها، يأتي الديوان ليقول إن مقالي مجرد انطباعات لا يؤيدها الواقع، بينما هو بنفسه يؤكد رفع مشروع متكامل لتطوير نظامه الأساسي، ويقول إنه روعي في إعداده تأكيد استقلاليته وتحديد جميع اختصاصاته وأساليب مباشرة مهامه، فلو كان مقالي مجرد انطباعات وأن اللوائح كافية وواضحة فلماذا يرفع الديوان بتعديل نظامه وتأكيد استقلاليته؟ الجدير بالذكر هنا أنه تم الرفع بمشروع النظام المطور منذ عام 1418هـ، وجاءت أول ردة فعل رسمية عليه بإحالته إلى اللجنة الوزارية للتنظيم الإداري لدراسته عام 1428 أي بعد عشر سنوات من رفعه، فهل صدر بعد ذلك؟ لا، بل - ووفقا لرد الديوان - صدر الأمر السامي رقم أ/6 عام 1431هـ، بتكليف هيئة الخبراء بإجراء دراسة شاملة لتطوير أجهزة الرقابة والضبط ووحدات الرقابة الداخلية في المملكة ومن بينها الديوان. والمدهش في الموضوع - وبحسب الخبر الذي نشرته ''عكاظ'' في عددها رقم 3671 وتاريخ السادس من تموز (يوليو) 2011 - أن لجنة تطوير الأجهزة الرقابية قدمت احتجاجا لدى هيئة الخبراء ضد ديوان المراقبة العامة تشتكى بطء تعاونه مما أعاق أعمال اللجنة، فمن الذي جاء رده مجرد انطباعات لا يؤيدها الواقع؟ الذي يقول بقدم لوائح الديوان وحاجته الماسة للتطوير أم الذي يرفض ذلك ويدعي كمالها؟
وتأكيدا لما سبق وطرحته من أن خلط المفاهيم تسبب في خلط المهام، فإنني أود أن آخذ القارئ الكريم إلى رحلة إلى دليل الرقابة على الأداء الذي أصدره الديوان ويعمل وفقا له وهو موجود على موقعه الإلكتروني http://www.gab.gov.sa/doc/8_6.pdf، حيث يشير الديوان في هذا الدليل إلى المادة رقم 7 من نظامه الأساسي كأساس للتدقيق على الأداء وقد قلت إن هذه المادة غير واضحة بما يكفي، فعبارة (مراقبة حسن استعمال هذه الأموال واستغلالها والمحافظة عليها) تتضمن خلطا واسعا لمفاهيم المراجعة ويجب التفصيل في ذلك بشكل واضح جدا، لأن هذا أدى إلى أن يعرّف الديوان مفهوم مراقبة الأداء في الصفحة السابعة من دليل الرقابة على الأداء بأنها: (من وجهة نظر فنية) تدقيق الالتزام بالقوانين والأوامر والأنظمة الأساسية والقواعد. ثم عاد الدليل في الصفحة رقم 9 للتأكيد أن هدف الرقابة على الأداء هو (3 - التأكد من الالتزام بالأنظمة والسياسات واللوائح النافذة). والآن أسأل كل مختص في الديوان وخارجه: أليست هذه النصوص تخلط مفاهيم ومهام مراجعة مدى الالتزام بمراجعة الأداء. إن هذا الخلط في المفاهيم والمهام هو الذي جعل الديوان يتورط في تدقيق الأداء لجهات ليس لديها معايير أداء قابلة للقياس أو حتى التدقيق.
ففي ندوة (قياس الأداء في الأجهزة الحكومية: تجارب محلية ودولية) التي افتتحها رئيس ديوان المراقبة العامة ونظمها معهد الإدارة العامة عام 1432هـ، جاءت إحدى الدراسات الجادة بعنوان (واقع قياس الأداء في الأجهزة الحكومية) قدمها الدكتور مشبب بن عايض القحطاني مدير عام مركز قياس الأداء للأجهزة الحكومية، وقد انتهت هذه الدراسة إلى أن (14 في المائة) فقط من عينة الدراسة التي بلغت 26 جهة لديها جاهزية لتطبيق قياس الأداء - أي أقل من أربع جهات فقط، وأن (12 في المائة) من عينة الدراسة (أي ثلاث جهات فقط) يمكنها أن توظف مخرجات قياس الأداء، فعن أي برنامج لمراقبة الأداء يتحدث الديوان وينفق ميزانيته؟ إن العودة لدليل مراقبة الأداء يجد أن الديوان يضع الأهداف بنفسه، ويقوم بعد ذلك بتقييمها بلا مقاييس معتبرة ولا مرجعية للأداء Benchmarks يمكن وضعها كمعيار رقابي، فكيف نتحدث عن مراجعة بلا إطار من معايير الأداء.
ولي مع برنامج مراقبة الشركات وقفة قادمة، والله من وراء القصد وهو أعلم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي