اتجاهات النمو في الاقتصاد السعودي: شيخوخة السكان
انتهينا في الأسبوع الماضي من أن التحول الديموغرافي في المملكة سيقود إلى انتشار ظاهرة شيخوخة السكان Population aging في المملكة. شيخوخة السكان هي ظاهرة عالمية تجتاح العالم أجمع، وهي ظاهرة غير مسبوقة في التاريخ الإنساني، وتعانيها المجتمعات السكانية المتقدمة بصفة أساسية، وبدرجة أقل الدول النامية، غير أن هناك اتفاقا على أن جميع دول العالم ستعاني هذه الظاهرة على نحو كبير في المستقبل. تنشأ شيخوخة السكان نتيجة ميل متوسط أعمار السكان نحو الارتفاع من ناحية، وتراجع معدلات المواليد من ناحية أخرى، ولظاهرة شيخوخة السكان العديد من الآثار الإيجابية والسلبية على المستوى الكلي، غير أن آثار الظاهرة السلبية متعددة خصوصا على المدى الطويل.
بالنسبة للمملكة، ترتب على النمو الذي حققته خلال العقود الخمسة الماضية تحسن كبير في توقع العمر عند الولادة للفرد (عدد السنوات المتوقع أن يعيشها الفرد في المتوسط عند ولادته)، وذلك نتيجة تحسن الخدمات الصحية وانتشار التعليم وغيرها من الخدمات التي ترفع من مستويات الرفاه للأفراد وارتفاع مستويات المعيشة. وفقا للجدول رقم (1) كان من المتوقع في عام 1950 أن يبقى المولود في المملكة 40.5 عام فقط على قيد الحياة عند ولادته، بصفة خاصة كان من المتوقع أن يبقى المولود الذكر على قيد الحياة في المتوسط لفترة 38.9 عام فقط، بينما كان يتوقع للمولودة الأنثى أن تعيش في المتوسط 42.2 عام فقط، وهي مستويات متدنية جدا كانت تتماشى مع تلك المستويات السائدة في المجتمعات التقليدية في ذلك الوقت، وإذا ما قارنا تلك المستويات بمتوسط توقع العمر في دول مثل المملكة المتحدة (69.3 عام) والولايات المتحدة (68.9 عام)، يتضح لنا مدى تدني المتوسط المتوقع لعمر الفرد في المملكة في ذلك الوقت.
ترتب على جهود التنمية في المملكة اتجاه متوسط توقع العمر عند الولادة إلى التحسن بصورة جوهرية، خصوصا خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، فبحلول عام 2000، كان من المتوقع للفرد في المملكة أن يبقى على قيد الحياة في المتوسط نحو 72 عاما، وهو تطور كبير جدا في اتجاهات توقع الحياة في المملكة، ووفقا لتنبؤات الأمم المتحدة، ينتظر أن يرتفع متوسط توقع العمر للفرد إلى نحو 76 عاما في عام 2025 وإلى 79.3 عام في 2050، وهو ما يخفض من الفجوة في توقع العمر بين المملكة والدول المتقدمة في العالم بصورة جوهرية. هذا التطور الإيجابي يترتب عليه تطورات تعكس الجانب السلبي للنمو السكاني وارتفاع متوسط العمر للسكان وهو زيادة أعداد الشيوخ من كبار السن بصورة كبيرة جدا، فوفقا للجدول رقم (2)، كان هناك 175 ألف شخص في المملكة فقط تبلغ أعمارهم 60 عاما فأكثر في عام 1950، ومع ذلك فقد كانوا يمثلون 5.6 في المائة من السكان في ذلك الوقت، منهم ستة آلاف شخص فقط أعمارهم 80 عاما فأكثر يمثلون 0.2 في المائة فقط من إجمالي السكان في المملكة في ذلك الوقت، مع تحسن مستويات المعيشة ارتفعت أعمار السكان وتزايدت بالتالي أعداد السكان من الشيوخ بصورة كبيرة، ففي عام 2010 يقدر أعداد الشيوخ من السكان الذين يتجاوز عمرهم الـ 60 عاما 1.2 مليون نسمة، يمثلون نحو 4.5 في المائة من إجمالي السكان في المملكة، منهم 162 ألفا تزيد أعمارهم على 80 عاما ويمثلون 0.4 في المائة من السكان.
#2#
لاحظ من الجدول رقم (2) ميل نسب السكان في سن 60 سنة فأكثر إلى التراجع بصورة واضحة منذ بداية السبعينيات، حتى بلغت أدنى مستوياتها في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، على الرغم من تزايد أعداد هؤلاء السكان من الناحية المطلقة. إن السبب في هذا التراجع يعود إلى حركة الهجرة إلى المملكة، حيث إنه من المعلوم أن السكان الوافدين إلى المملكة غالبا ما يكونون من صغار السن، ومن ثم فإن تراجع هذه النسب يعكس موجات الهجرة الواسعة إلى المملكة خلال تلك الفترة، وهو ما يعني أن انخفاض نسبة الشيوخ لا يعني تراجعا لنسبة السكان المواطنين في هذه الفئات العمرية، بقدر ما يعكس التطورات الحادثة في تركيبة السكان في تلك الفترة.
التطور الخطير في الموضوع هو أنه في المستقبل القريب ستتجاوز أعداد السكان من الشيوخ أعداد السكان من صغار السن لأول مرة في المملكة. ففي عام 2010 كان عدد السكان أقل من 15 سنة 8.3 مليون، يمثلون 30 في المائة من السكان، مقابل 1.2 مليون نسمة فقط من الشيوخ يمثلون 4.5 في المائة من السكان في المملكة. في عام 2050 يتوقع أن تصل أعداد الشيوخ في سن 60 عاما فأكثر إلى نحو عشرة ملايين شخص، يمثلون نحو 22 في المائة من السكان، وهي نسبة مرتفعة جدا، بينما يتوقع أن تكون أعداد صغار السن من السكان (15 سنة فأقل) نحو 7.7 مليون نسمة يمثلون 17.1 في المائة من السكان فقط، أي أن عدد الشيوخ سيتجاوز أعداد صغار السن في المملكة، وهي ظاهرة خطيرة جدا.
إن هذه التطورات تمثل تحديا جوهريا للمملكة في المستقبل، فكيف ستتعامل المملكة مع عشرة ملايين سعودي من كبار السن في ذلك الوقت؟ كيف ستتمكن من استيعاب ورعاية هذه الأعداد الضخمة من السكان الذين هم في أغلب الأحوال لا يمارسون عملا وليس لهم (من الناحية الاقتصادية) قيمة مضافة في الناتج بشكل عام؟ إن هذه الاتجاهات تدق جرس الإنذار حول اتجاهات النمو المستقبلي في السكان والتي يجب أن تكون مأخوذة بعين الاعتبار لدى المخطط السعودي لمستقبل النمو في المملكة، حيث من المتوقع تزايد الضغوط على التأمين الاجتماعي بصورة كبيرة نظرا لاستمرار السكان على قيد الحياة لفترة أطول، وهو ما قد يترتب عليه حدوث عجز اكتواري ضخم في صناديق التقاعد نظرا لاستمرار المحالين إلى التقاعد في تقاضي معاشاتهم لفترات أطول. كذلك من المتوقع أن يتزايد الطلب على الخدمات الصحية المقدمة للكبار ودور العجزة وغيرها من أشكال الخدمات الموجهة أساسا نحو هذه الفئة في المجتمع، وهي تكلفة ثبت أنها مكلفة جدا في دول العالم المتقدم.
تحديات النمو السكاني في المملكة لا تقتصر فقط على ظاهرة شيخوخة السكان، وإنما تمتد وبشكل أخطر إلى تحديات البطالة التي يمكن أن تنجم عن تزايد أعداد الداخلين الجدد إلى سوق العمل سنويا، وهذا هو موضوع مقالنا القادم إن أحيانا الله سبحانه وتعالى.