رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


البصمة البكتيرية

كان وما زال اكتشاف المضادات الحيوية فتحاً ونصراً علمياً أنقذ حياة الملايين من البشر بقضائها على البكتيريا الضارة، ولكن - مع الأسف - سوء استخدامها وكثرة أنواعها جعلاها تؤثر في البكتيريا النافعة أيضا فتقتلها أو تمرضها! نعم فالبكتريا تمرض أيضاً، ومرضها يقوي مناعتها وفور تعافيها تغزو الجسم وتكون أكثر شراسة ومقاومة للمضادات.
ومن عجائب قدرة الله أن عدد البكتيريا في أجسادنا يفوق عدد خلايانا بعشرة أضعاف، أي أن أجسادنا مستعمرات! وأي خلل في العدد أو النوع يسبّب لنا أنواعاً خطيرة من الأمراض، فقد تبيّن بعد عديد من الدراسات على البكتيريا لاكتشاف خباياها اختلاف أنواع البكتيريا من شخص إلى آخر ومن مرض إلى آخر، وفجّر العالم "مارتن بلايزر" قنبلته بقوله إنه قد يكون لكل شخص بصمة بكتيرية فريدة مثل ما لكل شخص بصمة DNA فريدة أو بصمة إصبع تميزه عن باقي البشر!
ويقول العلماء إن معرفة أنواع البكتيريا وخريطة الميكروبات في جسم الإنسان ودرجة توزيعها في أماكن معينة قد يعطي صورة أفضل من دراسة الجينوم أو الخريطة الجينية للبشر، لذلك يعكف العلماء في مشروع ينتهي العام القادم لدراسة Human Microbiome وهو لفظ جديد يستخدمه العلماء لوصف المجموعات البكتيرية والكائنات الدقيقة المعقدة التركيب الموجودة في جسم الإنسان، يهدف المشروع إلى إلقاء المزيد من الضوء على المجموعات البكتيرية في الجسم البشري والأماكن المختلفة التي تتكاثر فيها تلك البكتيريا، وتمارس نشاطها في جسم الإنسان. نحن نعرف أن البكتيريا المفيدة ضرورية جداً لصحة الإنسان، وتحمي أجهزتنا الهضمية من الكائنات الدقيقة الضارة المسبّبة للمرض، واتضح من الأبحاث الأخيرة أن التأثير السلبي لتلك الكائنات الدقيقة أخطر مما كنا نتخيل، بل إنها يمكن أن تؤثر تأثيراً خطيراً ليس في صحتنا البدنية فقط، وإنما أيضا في صحتنا النفسية والعقلية وتعرقل نمو عقول الأطفال. ومن أغرب ما اكتشف العلماء أن الخلل في باكتيريوم الجهاز الهضمي يسبّب السمنة! فالأشخاص البدناء يحتوي جهازهم الهضمي على نوع من أنواع البكتيريا لا توجد لدى النحفاء، تعمل على زيادة استخلاص السعرات الحرارية من الغذاء ومن ثم تحويلها إلى دهون وتخزينها في الجسم، لذلك قد يكون علاج السمنة في المستقبل من المضادات الحيوية أو باستخدام البكتيريا التي توجد في أمعاء النحفاء!
كما أجريت أبحاث على أداء الفئران التي تم إخراج البكتيريا النافعة من أحشائها، وعلى أداء الفئران العادية، واتضح أن الفئران التي نزعت البكتيريا من أحشائها عانت الاضطراب والقلق والسلوك المتهور أكثر مما عانت الفئران العادية. فالبكتيريا تستعمر أحشاء الإنسان عقب ولادته مباشرة وخلال فترة حساسة من نمو المخ، وهذه البكتيريا تؤثر في سلوكه، لأنها تحدث تغيرات في جينات معينة في الجسم.
فلم يكن يخطر ببال الكثيرين أن البكتيريا في الأحشاء تؤثر في الجينات ـــ وفي نمو المخ والحالة الذهنية والسلوكية للبشر. وهذه الحقائق المدهشة التي ظهرت من التجارب الأخيرة ـــ تؤكد أن البكتيريا جزء لا يتجزأ من الإنسان لذلك يجب المحافظة عليها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي