تضارب المصالح.. يسد الذرائع

يظهر تعارض المصالح عندما يكون للشخص مصلحة في مجالين متضادين أو يتحكم أحدهما في مصير الآخر أو عندما تضر عضويته في مؤسسة أو جهة مصالح جهة أخرى ينتمي إليها.
عندما قررت إدارة الأدوية والغذاء الأمريكية FDA أن تعين فريقا استشاريا مسؤولا عن تقويم المخاطر ووضع اللوائح التي تسهم في خفض استهلاك النيكوتين في الولايات المتحدة، اعترضت الشركات على ثلاثة من الأعضاء البارزين بسبب عضويتهم في جمعيات تحارب التدخين أو علاقتهم مع شركات تعمل على إيجاد البدائل الصحية للسجائر.
لم يكن الاعتراض على كفاءتهم أو معرفتهم أو حتى نزاهتهم وإنما كان على الوضع القائم الذي يمثلونه. فالعضوية في جمعيتين متعارضتين في الأهداف سيؤثر سلباً في حرية السوق والتنافس الشريف المبني على قواعد العرض والطلب وحرية حركة رأس المال.
قرأت هذه المعلومات وأنا أعد للكتابة عن كم كبير موجود لدينا من تضارب المصالح . تجد أن عضو مجلس إدارة شركة يملك أسهما في شركة منافسة. هذا في حد ذاته مثبط للمنافسة والحماس لتحقيق الأرباح. هذه الإشكالية موجودة وتعاني منها الكثير من شركات القطاع الخاص، الشيء الوحيد الذي يمكن أن يكون حامياً لموقع الشركة ومستقبلها هو أن أعضاء مجلس الإدارة لدينا أقل نشاطاً و تأثيراً في مسيرة الشركة من التنفيذيين الذين لابد أن تضبط الشركة حركتهم سواء بالنسبة لأسهم الشركة نفسها أو منافسيها.
الخطر الأكبر الذي يعاني منه اقتصادنا ويؤثر بشكل كبير في أداء الشركات هو وجود الكثير من متخذي القرار في الدولة في رئاسة أو عضوية مجالس شركات تستثمر فيها الدولة، وهم في الوقت نفسه يتحملون مسؤولية التحكم في القطاع الذي تعمل فيه الشركات أو حتى يضعون القوانين التي تحكم العمل في السوق. هذه الحالة تظهر بشكل واضح في حالة الشركة السعودية للكهرباء.
الحالة الأكثر خطورة هي وجود متخذي القرار في عضوية شركات لها منافسون في السوق. هذا الوضع أوجد حالة من التعنت وعدم الانصياع للقوانين في شركات معينة بسبب وجود الحمائية الحكومية التي يمثلها رئيس مجلس الإدارة وأعضاء في المجلس بحكم وجود مصالح للشركة التي تمتلك الدولة أغلب أسهمها، هذه الحالة تبرز في شركة الاتصالات التي يوجد لها منافسون في السوق. لا يحظى هؤلاء المنافسون بالقدر نفسه من الحقوق، كما أنهم مطالبون بتنفيذ القوانين دون نقاش. سبق أن شاهدنا حالات لم تطبق فيها شركة الاتصالات قرارات الجهة المسؤولة عن تنظيم السوق وهي هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات، كل هذا بسبب وجود الجهة المنظمة والجهة الممولة في مجلس إدارة الشركة.
تتكرر هذه الحالة لدينا في شركات كثيرة بسبب تملك الحكومة أسهم عدد كبير من الشركات الوطنية. بل وإنشاء شركات من الصفر كشركة سابك، وهي شركة ناجحة بلا شك ولكنها تحظى بمعاملة خاصة بحكم وجود متخذي القرار في مجلس إدارتها. هذه الحالة تؤثر بلا شك في المنافسة، وتحرم بعض الشركات من حصتها المستحقة بسبب ميلان الميزان لصالح شركات الحكومة.
ظهرت أخيرا مجموعة من الهيئات والمؤسسات العامة التي تتحكم في قطاعات خدمية مهمة، وانضمام مسؤوليها إلى مجالس إدارة شركات لها منافسون في السوق، وهناك توجه لإدخال منافسين آخرين أيضاً. هذا السلوك سيؤدي إلى تأثر الخدمات بسبب تفضيل شركة على شركة أخرى، كما أنه سيساهم في التأثير في الخدمات المقدمة للمواطن.
الحكمة هنا هي: أنه لابد من إعادة النظر في مجالس إدارة جميع الشركات خصوصاً الحكومية منها، وإبقاء المسؤولين عن تنظيم أو تقنين القطاعات بعيداً عن مشكلة تضارب المصالح. نحن لا نشكك في نزاهتهم إلا أن سد الذرائع باب مهم في هذا الجانب.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي