رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


يا مستشارون .. أين الكلمة والأمانة؟

لا يزال العالم يعاني حتى اليوم تداعيات الأزمة المالية العالمية التي بدأت في عام 2008، تلك الأزمة كانت أزمة ائتمانية بكل ما تحمله الكلمة من معان. خفض الاحتياطيات والسيولة المخصصة لتغطية تعثر المقترضين عن السداد إلى نسب وصلت إلى 2.5 في المائة من قيمة القروض جعل من هذه الأزمة أمراً حتمياً. زادت نسب البطالة المرتفعة أصلاً، وارتفعت نسب الفائدة على القروض فخرج المزيد من المقترضين من السوق. الزيادة الكبيرة في المعروض في سوق الرهن العقاري، وانخفاض قيم السندات إلى أسعار متدنية للغاية دفع بالبنوك والشركات الائتمانية إلى طلب الحماية من الإفلاس. دفعت الحكومة الأمريكية أكثر من 700 مليار دولار لحماية المؤسسات المصرفية والائتمانية من الإفلاس. هذه البنوك بنت قرارات شراء السندات وتقديم القروض والتأمين عليها على معلومات قدمتها جهات تقييم هذه السندات والقروض التي كانت تعطيها الفئة A، أي أنها مضمونة السداد.
عمليات التقييم هذه كانت معلنة للعموم، لكن الكثير ممن لديهم معلومات داخلية والمتخصصين في الاقتصاد كانوا يعلمون أن هناك فقاعة توشك أن تنفجر في سوق الرهن العقارية، وبرغم ذلك كانوا يعطون الانطباع أن السوق في حالة جيدة ويمكن الاعتماد عليها بل واستثمار مبالغ كبيرة فيها. الأدهى أن تحقيقات مجلس الشيوخ الأمريكي والمصرف المركزي أثبتت أن هؤلاء كانوا يعلمون أن السوق على وشك الانهيار وأنهم باعوا سنداتهم وودائعهم وتخلصوا من جميع البوالص التي تحولت قيمتها فيما بعد إلى ما يعادل الصفر في السوق.
واجه العديد من هؤلاء محاكمات وثبت علمهم باقتراب كارثة في السوق إلا أن أحداً منهم لم يخسر بصفة شخصية، وإنما تأثرت الجهات التي كانوا يشغلون عضوية أو رئاسة مجالسها. السبب كان عدم وجود ما يدين الأشخاص لأنهم كانوا يعملون بحكم تقديم الرأي. هذا يؤكد نظرية أن الاقتصاد هو في الواقع مجموعة من النظريات التي، برغم صحتها غالباً، إلا أنها قد تؤدي إلى نتائج عكسية تماماً بسبب نظرية القطيع والقوانين الحكومية والحمائية العالية أو المنخفضة حسب السوق التي تطبق عليها هذه النظريات.
إن تقديم المستشارين معلومات مغلوطة بشكل متعمد جريمة أخلاقية كبرى. المستشار مؤتمن وهو بناء على هذا ملزم بأن يقدم الرأي الذي يراه صواباً، أو يعتذر عن تقديم الاستشارة لنقص المعلومات أو ضبابية الموقف.
هؤلاء الخبراء والاستشاريون لم يكونوا يجهلون طبيعة الوضع بل إنهم كانوا يعلمون أن الأزمة أمر لا مفر منه، ومع ذلك عملوا على التربح من هذه الأزمة وقدموا معلومات مغلوطة ليضمنوا استمرار تكسبهم من هذه السوق.
أمانة الكلمة والرأي المعروض هي الأمر الذي لا بد من اعتماده من قبل كل من يقدم وجهة نظره على وسائل نشر الرأي سواء كانت مطبوعة أو مرئية أو مسموعة. هذه الأمانة يحض عليها شرعنا الحنيف، فالمؤمن يمكن أن يقع في أي من الكبائر والصغائر إلا أنه لا يكذب.
أجيء اليوم ضيفاً على قراء «الاقتصادية» وقد كنت لسنين طويلة من محبي وقراء هذه المطبوعة المميزة، أتحمل أمانة البوح بما أراه وما أشعر به لقراء هم من الصفوة كما هو معلوم لدى الجميع. وأعدهم جميعاً بأن أكتب بصدق وواقعية وشفافية، وأرجو أن أوفق لأكون بمستوى هذه المطبوعة ومستوى قرائها الكرام.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي