هل تحقق استراتيجية الإسكان تطلعات الناس؟
نفذت المؤسسة الألمانية للتعاون الدولي الاستراتيجية الوطنية للإسكان بتكليف من هيئة فوزارة الإسكان. لم أجد حاجة لإسناد الاستراتيجية إلى طرف غربي، فالمحتوى لا ينبئ عن هذه الحاجة. في الداخل خبرات عالية، وفي الداخل أعدت أعمال لا تقل مستوى.
والاستراتيجية من خمس مراحل: تمهيد ودراسة للوضع الراهن وتحديد الأهداف والاستراتيجية وخطة العمل. أنجزت المراحل الأربع الأولى، والأعمال متاحة على النت.
أما أهم النقاط التي ناقشتها الاستراتيجية فخمس: التمويل والعرض والطلب والتخطيط العمراني والإدارة. وتحتاج هذه النقاط إلى دراسات تفصيلية لاحقة.
خلت الاستراتيجية من مناقشة معايير تخطيط الأحياء السكنية، وتصميم المساكن. ولكنها انتقدت مساحة و/أو مسطحات مساكن وزارة الإسكان، وهذه النقطة موضع تركيز هذه المقالة. وتدقيقا، انتقدت المعايير الحالية للحدود الدنيا للأمتار المربّعة للإسكان المقدّم من قبل الحكومة. هذه الحدود الدنيا 250 مترا مربعا. وهي حدود تتجاوز المعايير الدولية. هذا الانتقاد يحمل ضمنا نقدا لثقافة الناس في حجم الإسكان الذي يتطلعون إليه.
من عاش فترة طويلة في الغرب والشرق يعرف مساكن الناس هناك. يعرف وبسهولة أن الشريحة الكبرى من العائلات (وهي عادة مكونة من ثلاثة أفراد) تقطن سكنا مساحته أقل من 100 متر مربع في أوروبا وشرق آسيا، وأقل من 200 متر مربع في أمريكا.
أعد الاستراتيجية أوروبي، ومن المتوقع أن تقل نظرته لمساحة المسكن الملائم عن نظرة غالبية الأمريكيين أو السعوديين.
من يقرأ كثرة من تعليقات الناس في أي وسيلة إعلامية على مشكلة غلاء الأراضي، يستنتج أن جمهرة الناس تتطلع إلى مساحات تتجاوز الحدود التي انتقدتها الاستراتيجية. لي أن أقول إن غالبية الناس ترى أنه ينبغي أن تحصل كل عائلة سعودية على قطعة أرض لا تقل مساحتها عن 400 متر مربع ومسطحات لا تقل عن 300 متر مربع لإقامة مسكنها. علام قررت هذه الأرقام؟ حجم عائلة أكبر وفوائض ميزانية مقرونة بكثافة سكانية منخفضة نسبيا: سكان في حدود 20 مليونا على مساحة مليوني كيلومتر مربع.
هذه التطلعات صعب جدا تحقيقها لغالبية العائلات. مساحة السكن ترتبط بعوامل كثيرة غير مساحة البلاد. وللفائدة، لم تضع التشريعات لدينا معيار الحد الأدنى للحاجة السكنية حتى الآن.
لماذا ترى المعايير الدولية أن رقم 250 مترا مربعا مبالغ فيه؟
تكاليف صيانة ونظافة العقارات مرهقة للجيوب.
تقليل التوقّعات بشأن الأمتار المربّعة سيزيد من مقدرة المواطنين ذوي الحاجة على الإنفاق لتملّك مساكنهم ومن ثم صيانتها.
تقليل التوقعات سيزيد من قدرة الحكومات على توفير أو دعم توفير عدد أكبر من الوحدات السكنية بتكلفة أرخص وبفترة زمنية أقصر.
مساحات أكبر يعني تباعد المسافات. وهذا بدوره يترجم إلى مزيد تكاليف في البنية وفي المرافق وفي الصيانة وفي الخدمات وفي المواصلات.
مساحة ومسطحات أكبر يعني حاجة المسكن إلى نظافة وصيانة وفاتورة كهرباء أعلى، يعني ميزانية أكبر. الخادمة تكلف الآن نحو ألف وبضع مئات من الريالات شهريا من حيث المتوسط. والتكلفة في ازدياد لأسباب عديدة، ومن ثم لن يكون بإمكان نحو نصف العائلات السعودية في السنوات المقبلة تحمل تكلفة خادمة متفرغة.
يعد تملك السكن متوسط الصعوبة أو غير صعب إذا كان ثمن السكن الملائم لا يتجاوز تقريبا أربعة أمثال الدخل السنوي للعائلة. وكلما زاد الرقم على أربعة، زادت الصعوبة في تملك سكن ملائم (بتمويل بنكي).
اعتمادا على الاستراتيجية وعلى دراسات واستنتاجات أخرى، فإن نحو نصف العائلات يبلغ دخلها الشهري حدود خمسة إلى عشرة آلاف ريال (دون حافز ودون ريع التستر أو دخول غير مشروعة).
لو تساهلنا واعتبرنا 8500 ريال متوسطا، فهذا يعني أن المسكن ينبغي ألا يتجاوز ثمنه 400 ألف ريال حتى يصبح تملكه (بتمويل بنكي) غير صعب على نحو نصف العائلات. هذا المبلغ يغطي تكلفة بناء فقط متوسط المستوى بمسطحات تقارب 250 مترا مربعا.
الخلاصة أن هيئة ألمانية أعدت استراتيجية الإسكان الوطنية بتكليف من وزارة الإسكان. وترى الاستراتيجية أن تطلعات الناس السكنية صعب تلبيتها، وتتجاوز المعايير الدولية في الحاجة السكنية. ومن ثم لا بد من التفكير في حلول توازن بين التطلعات وقدرات الناس المالية. وبالله التوفيق.