رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ريادة الأعمال تتطلب استراتيجية وطنية

المبادرات الشخصية والأفكار الإبداعية هي بذور التنمية الاقتصادية وهي التي تصنع الفرق بين البلدان المتقدمة وتلك التي تقبع في ذيل القائمة. فالمخترعات والمبتكرات والاكتشافات تبدأ صغيرة ولكن بأحلام كبيرة وإيمان عميق من أفراد نذروا أنفسهم لإعمار الأرض وإحداث تغيير كبير في حياة كثير من الناس إلى الأفضل. لكن البحث عن الجديد والأفضل يتطلب ثقافة مجتمعية مبنية على الدافعية نحو الإنجاز وتحقيق التميز، فالأفراد هم نتاج المجتمع وثقافته. هناك مجتمعات ساكنة وراكدة تصل حد الجمود تكون فيها منظومة القيم مبنية على توثيق العلاقات الشخصية العاطفية وتقديمها على قيم الوقت والإنتاج، ويتلبسها تفكير أنه ليس بالإمكان أفضل مما كان. في هذه المجتمعات ينشأ الفرد ويتربى على تكوين علاقات اجتماعية والحرص على الانتماء للجماعة ولو على حساب التطوير أو حتى التغاضي عن أخطاء الآخرين وعدم تصحيحها. وهذا نجده في كثير من الدول النامية التي ما زالت تعاني التخلف والتثاقل في الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدما اقتصاديا وثقافيا وحضاريا. لقد أجرى مكلللاند عدة دراسات ميدانية حول الدافعية نحو الإنجاز في الهند في الستينيات من القرن الماضي ووجد أن السبب الرئيس وراء انخفاض مستوى أداء المديرين الهنود هو طغيان الدافعية للانتماء على دافعية الإنجاز. فمناهجهم الدراسية والثقافة المجتمعية تعزز فيهم وتربيهم على التسامح وتحمل أخطاء الآخرين وتقديم العلاقة الشخصية والانتماء الاجتماعي على التطوير والإنتاجية. إن الدافعية نحو الإنجاز تعني وضع أهداف فيها تحد ولكنها ليست مستحيلة التحقيق. والأفراد أصحاب النزعة نحو الإنجاز وتحقيق النجاح والتميز يرغبون في التعرف إلى أي مدى حققوا أهدافهم، ولذا تجدهم حريصين على المعلومات المرتدة وتقييم الآخرين لهم. هذه النزعة نحو التطوير والإصلاح وإعمار الأرض نجدها في التوجيه الرباني للأمة حين اشترط خيريتها وتقدمها على باقي الأمم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ... الآيات". فهذه الشعيرة العظيمة تحقق الدفع نحو التطوير في إطار من التناصح والشفافية والمصلحة المشتركة. هذا هو جوهر التطوير والتقدم هو في التأسيس لإطار أخلاقي وثقافي يجتهد فيه المرء ويمنح مساحة للاجتهاد، وفي الوقت ذاته يصوب لتحقيق غايات عليا. الأفراد كالنبات يحتاجون إلى بيئة تحوي عناصر نموه وبقائه. ولذا فقوة المجتمعات بأنظمتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تخرج أفضل ما عند الأفراد. بطبيعة الحال لا يفترض أن يكون جميع أفراد المجتمع مبدعين ومبادرين وأصحاب مشاريع تنموية، ولكن بكل تأكيد يجب أن تكون الغالبية على قناعة تامة بما يطرح من أفكار وعلى قدرة على استيعابها ورغبة أكيدة في تنفيذها بتناسق بين جميع مكونات المجتمع. وهذا يتطلب تطبيق القانون العام والأنظمة بعدل وحزم ليس للتعقيد وإنما من أجل الانتظام والانضباط.
المبادرات والمشاريع الجديدة تحتاج إلى خطة طريق لتكون روافد للتنمية الوطنية. يلزم أن يكون هناك نظام هرمي تكون قاعدته المبادرات والمشاريع الصغيرة روافد لمشاريع أكبر ومنتجات أكثر تعقيدا وفي قمته منتجات رأسمالية استراتيجية. هذا التحول من الأفكار إلى المنتجات إلى التخصصية والتميز يتزايد بالحجم والتأثير مع مرور الوقت بحكم بناء الخبرات وتطوير التقنية. هذه المبادرات بهذا النهج تكتسب أهمية بالغة، حيث يتعين على الشركات الكبيرة احتضان هذه المشاريع الصغيرة لتكون روافد تصب في صالحها وبالتالي في صالح التنمية الوطنية. إن التحول من التركيز على المصانع إلى إنشاء الصناعات أمر في غاية الضرورة لتحقيق منظومة صناعية تضمن التناسق بين جميع المنشآت وعلى اختلاف أحجامها. الفكرة الرئيسة هنا هي أن التخصصية تقود لتطوير الخبرة وهي بالتالي تقود إلى الكفاءة في الإنتاج والتميز في المنتج، وهذا من صالح جميع المتعاملين في الصناعة. وفي ظل هذا الترابط الصناعي والعلاقة المتداخلة بين جميع الشركات والمصانع تظهر أهمية ريادة الأعمال في تطوير الصناعة بتزويدها بالأفكار والمنتجات الجديدة التي تطور السلع والخدمات في القطاعات الصناعية المختلفة، وهذا بطبيعة الحال سيعود بالنفع على الجميع. ولذلك يجب ألا ينظر لريادة الأعمال من زاوية ضيقة في أنها لمعالجة مشكلة البطالة وكحل لأزمة طارئة، وإنما بذور أساسية لتطوير الصناعات. وتتأكد هذه الرؤية وتتضح عندما يتم استيعابها من خلال استراتيجية وطنية للـ 30 سنة المقبلة، حيث توجه جميع الموارد والجهود نحو تحقيق الأهداف الوطنية. ريادة الأعمال على مستوى الأفراد قد تحقق الربح والعائد المالي للبعض، ولكن هل تؤدي إلى تحقيق التنمية الاقتصادية والأهداف العليا للوطن؟ إن الأرباح التي يجنيها رواد الأعمال كالصحة بالنسبة للإنسان يرغبها ويتمنى المزيد منها، ولكن بكل تأكيد لا يعيش من أجلها! يلزم أن تربط ريادة الأعمال باستراتيجية وطنية إذا ما أردنا كوطن أن نتحول للعالم الأول ونسهم في الحضارة الإنسانية كما كان أسلافنا. المبادرات الفردية قد تبدو للوهلة الأولى مبهرة وجذابة، ولكن إذا لم تتسق في بينها وتنتقل إلى مراحل أكثر تطويرا ويتعدد تأثيرها ليعود بالنفع على شريحة أكبر من الناس، وفي الوقت ذاته تعزز من قوة الاقتصاد الوطني فلن تجدي نفعا. هناك مبادرات لمشاريع تشجع على الاستهلاك وتعتمد على العمالة الأجنبية، هل هذه المبادرات على الرغم مما تحمله من ابتكار تصب في صالح الوطن؟ هناك ضرورة لوضع سياسات عامة تهيئ وتصنف وتوجه المبادرات وتحدد المجالات الصناعية والتجارية التي يتطلبها الاقتصاد الوطني، حينها فقط تحقق المصالح الخاصة والمصلحة العامة وتضمن ديمومتها. قد يكون من الخطأ استنساخ ما لدى بعض الدول المتقدمة وتطبيقه محليا دون الأخذ في الاعتبار اختلاف بيئة الأعمال، هذا لا يعني عدم الاستفادة منها ولكن بانتقائية وبما يتناسب مع المرحلة التنموية التي نعيشها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي