رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


رأسمالية حكومية؟

فتحت الأزمة المالية العالمية فأزمة الديون الحكومية في بعض الدول الغربية باب النقاش واسعا عن حالة ومستقبل الرأسمالية. تطورت الرأسمالية مع السنين، ولكن جوهرها يكمن في اقتصاد السوق، أي هيمنة الأفراد والقطاع الخاص على ملكية وسائل أو عناصر إنتاج كرأس المال والعمل والأرض، لإنتاج سلع (ويدخل في معنى السلع الخدمات) بغرض الربح. ما ليس للربح يترك للقطاع العام. وتساهلا، القطاع العام كل تنظيم لا يهدف للربح.
الرأسمالية بالمعنى السابق قديمة، لأن اقتصاد السوق قديم، ولكن الاسم رأسمالية ظهر واكتسب الزخم مع ظهور الثورة الصناعية قبل قرون قليلة. كان النظام الإقطاعي هو السائد في الغرب قبل ذلك. ويرى مؤرخون غربيون أن احتكاك الغرب بالمسلمين إبان ازدهار الحضارة الإسلامية كان له أثر كبير في تعريف الغرب بميزات اقتصاد السوق.
اقتصاد السوق يستلزم بداهة وجود قطاع خاص. ويمكن القول، وبشيء من التساهل، إن ما ينتجه القطاع الخاص (لحسابه) يعد سلعة خاصة، وما تنتجه الحكومات مباشرة أو غير مباشرة (تكليف من ينتجه لحسابها) يعد سلعة عامة. وتتسم السلعة العامة بأنها الأساس، فبدونها لا يمكن للقطاع الخاص أن يعمل، بل لا يمكن للحضارة أن تبقى. والأمثلة على السلع العامة كثيرة، منها الأمن والعدل وحقوق الإنسان والاستقرار الاقتصادي والتنمية.
وعبارة سلعة عامة تعبير اقتصادي اصطلاحي. ولتسهيل الفهم على من لا يعرف معنى المصطلح، تتميز السلع العامة بميزتين: كونها غير قابلة للاستبعاد (يمكن للشخص أن يستفيد من السلعة دون أن يدفع، أو أن الدفع يأتي من المجتمع) وغير قابلة للانتقاص (استهلاك فرد من السلعة لا يقلل استهلاك غيره منها). دائرة السلع العامة وتدخلات الحكومات في النشاط الاقتصادي توسعت مع تطور المدنية، وبلغت في عصرنا أوسع دائرة. في الوقت نفسه، دائرة السلع الخاصة ونشاط القطاع الخاص توسعا أيضا وبلغا في عصرنا أوسع دائرة. ويبدو هذا الكلام مثل اللغز.
توسع دائرة السلع العامة وتدخلات الحكومات ناتج من فشل السوق بصورة ما. وأهم أسباب فشل السوق وجود الميزتين السابقتي الذكر أو إحداهما ولو جزئيا في السلعة.
وقد أثارت الأزمة المالية العالمية مناقشات كثيفة على المستويات الأكاديمية والحكومية والإعلامية المتخصصة حول طبيعة فشل السوق والاقتصاد السوقي (الرأسمالية) في ضوء التطورات والاختراعات التقنية. وجر هذا النقاش نقاشا حول حدود التدخل الحكومي في أنشطة الاقتصاد. لن أتوسع في هذا الموضوع، للإدراك أن كثرة من القراء ترى أن هذا الأمر لا يعنيهم، وأن ما يعنيهم هو ما يخصنا في بلدنا.
في نظري أن دائرة فشل السوق والسلع العامة في اقتصاد كالاقتصاد السعودي واسعة، تتجاوز ما نراه في الدول ذات الاقتصادات المتطورة. وتقف عوامل عديدة خلف ذلك، منها البنية الاجتماعية والثروة النفطية، بما يسمى فتنة النفط.
فشل سوق اليد العاملة مثال على ذلك. ضعف الصناعة مثال آخر.
صندوق الموارد البشرية وصندوق التنمية الصناعية (إنشاء بإرادة وملكية حكومية) دليلان على فشل تطلب تدخلا حكوميا ذا طبيعة مالية (إعانة).
هناك تدخلات حكومية من نوع آخر. ممارسة النشاط كأحد الرأسماليين. ''سابك'' و''الاتصالات'' و''الخطوط الجوية'' و''الحديدية'' أمثلة لهذا النوع من التدخل.
نادت خطط التنمية بالخصخصة. في الوقت نفسه الناس يتذمرون من الغلاء والغش والاحتكارات. الحل عند بعض المتذمرين أن تمارس الحكومة التجارة في السلع الخاصة. هذا توجه يعاكس سياسة الخصخصة.
هل من الحصافة الاقتصادية توسع الحكومة في ممارسة تلك التجارة؟ سؤال مطروح للنقاش، وبالله التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي