غياب الرؤية وعدم وضوح الاستراتيجية الوطنية فاقما الأزمة الإسكانية
توقع مختص في قطاع الإسكان أن تواجه وزارة الإسكان صعوبات في تنفيذ 500 ألف وحدة سكنية التي وجه ببنائها خادم الحرمين الشريفين العام الماضي، ضمن الخيارات المطروحة لحل أزمة الإسكان في السعودية. مرجعا ذلك إلى عدم وجود رؤية أو خطط واضحة ومعلنة لدى الوزارة حول آلية تنفيذ استراتيجيتها.
وقال المهندس حامد بن محمد بن حمري، الرئيس التنفيذي لشركة تمكين للاستثمار والتطوير العقاري لـ''الاقتصادية'': إن عدم وجود استراتيجية واضحة ومعلنة لدى الوزارة، إضافة إلى أن الآلية المتبعة حاليا، وعدم دعوة المطورين والمكاتب الهندسية الخبيرة للاستفادة من رؤاها وخبراتها في هذا المجال، وعقد شراكة استراتيجية بينها وبين الوزارة- فإن الوزارة ستعاني كثيرا في تنفيذ خططها، وخاصة بناء هذه الوحدات في الوقت الحاضر. مشيرا إلى أن البيروقراطية الحكومية من شأنها أن تؤثر على سير عمل الوزارة ما لم تعلن استراتيجية واضحة لحل أزمة الإسكان التي تعانيها السعودية.
وأضاف: من المستحيل أن تنجز الوزارة بناء تلك الوحدات بمفردها، في ظل عدم وضوح رؤيتها، إضافة إلى عدم وجود مقاولين في الوقت الراهن، إضافة إلى العقبات التي ستواجهها الوزارة مع الجهات الأخرى. مضيفا أن كبار المطورين في السعودية ليس بمقدورهم حاليا بناء 100 وحدة سكنية في السنة، بل هناك مشاريع متأخرة وبعضها وقف منذ ثلاث سنوات، بينما هيئة الإسكان نفسها قبل أن تتحول إلى وزارة لم تستطع تنفيذ 14 ألف وحدة سكنية، ويبدو أنها نفذت منها نحو 60 في المائة، لكنها لم تكن على المواصفات المنشودة.
وقال بن حمري: في ظل الأزمة المتزايدة فيما يتعلق بتزايد الطلب على الإسكان والعلاقة الطردية بين النمو السكاني وتزايد وإقبال الشباب على الزواج مع الطلب على الإسكان، مضيفا أن وزارة الإسكان مطالبه بتبنى استراتيجية واضحة من شأنها إيجاد حلول جذرية لأزمة الإسكان في السعودية، في ظل الدعم الكبير الذي حظيت به من الحكومة من خلال الدعم الكبير الذي قدم للوزارة وتخصيص 250 مليار ريال في ميزانية هذا العام لدعم بناء هذه الوحدات، إضافة إلى رفع قيمة القرض العقاري من 300 ألف إلى 500 ألف عطفا على الدعم الشعبي الذي يحظى به مثل هذا التوجه.
#2#
وأشار بن حمري إلى أهمية تبني مبادرات جريئة تسهم في فتح النطاق العمراني للمدن الرئيسة وتطوير المخططات القائمة، إضافة إلى إعطاء القطاع الخاص الفرصة لتطوير الكثير من المخططات وفق مواصفات وتصاميم تحاكي التطور الذي تعيشه السعودية في مختلف المجالات. مضيفا إلى أنه أيضا بإمكان الوزارة أخذ المخططات التي تم منحها لذوي الدخل المحدود وتسارع إلى تأسيس البنية التحتية، وهي عملية ليست مكلفة وهو ما سيشجع الكثير من المواطنين للمبادرة بالبناء، بيد أن مثل هذه الخطوات من شأنها أن تساعد في خلق أسعار متوازنة ومنطقية للأراضي في كثير من المخططات القائمة، إضافة إلى فك الاحتكار الذي عانت منه سوق العقار كثيرا. مشيرا إلى أهمية تبني الوزارة لإقامة ورش عمل على مستوى كبير خاصة بالإسكان ويشارك فيها خبراء من المطورين والمكاتب الهندسية والمقاولين للخروج برؤية مشتركة تدعم التوجه الكبير في إيجاد مساكن للمواطنين، بمواصفات عالية، إضافة إلى العمل على تسهيل الأنظمة وإيجاد تشريعات جديدة بما يتوأم مع احتياج المنطقة من قطاع الإسكان.
ولفت حامد بن حمري إلى أن الأمانات يقع على عاتقها دور مهم في هذا الجانب، لفتح المجال أمام المستثمرين لبناء الوحدات السكنية سواء من خلال تسهيل الإجراءات والحد من الروتين والبيروقراطية المعطلة للتنمية، أو السماح والحث على التمدد الراسي داخل النطاق العمراني لاسيما في حاضرة الدمام والخبر، وهذا التوجه سيخلق نموا متزايدا في الوحدات السكنية، التي ستغطي جزءا من الحجة لماسة لسكان، وتلبي الطلب المتنامي من الشباب حديثي الزواج على مثل هذه الوحدات؛ كونها واقعة بالقرب من جميع الخدمات.
وقال بن حمري: أعتقد أنه حان الأوان لوزارة الشؤون البلدية والقروية أن تعيد النظر في آلياتها وتطوير أدواتها، والسماح للمطورين العقاريين باستخدام التمدد الرأسي، وبناء أحياء سكنية لا تقل عن ثمانية إلى عشرة أدوار، وأن يعمم ذلك على جميع الأحياء بما فيها تلك الأحياء التي حدد فيها التمدد بدورين أو ثلاثة، مع مراعاة الأنظمة والقوانين سواء ما كان يتعلق بالمسكن أو مواقف السيارات والجوانب الأخرى من بنية تحتية وخلافها.
وطالب بن حمري الجهات المعنية بسرعة فتح النطاق العمراني من خلال التوسع بفتح مخططات جديدة، والمسارعة في تطويرها من خلال شراكة استراتيجية مع المطورين في القطاع الخاص، مع مراعاة وضع مواصفات وتصاميم ملزمة التنفيذ على الجميع.
ورفض حامد بن حمري الأطروحات التي تطالب بالاستعانة بشركات أجنبية لبناء الوحدات السكنية في السعودية، وقال: يقيني أن المقاولين السعوديين قادرون على القيام وتنفيذ هذه المشاريع، ولا يمنع الاستعانة باستشاريين وخبراء عالميين في بعض المشاريع العملاقة، ولكن الأهم أن يفتح المجال أمام المقاولين والمكاتب الهندسية للمشاركة في الرأي والنقاشات التي تعنى بقطاع الإسكان، والاعتراف بأننا أمام أزمة حقيقية تحتاج إلى جهود كبيرة وتضافر الجهود لإيجاد الحلول الناجعة لها، وبأسرع وقت كي لا تتفاقم ونجد أنفسنا بعد أربع أو خمس سنوات وقد اتسعت رقعة الأزمة الإسكانية.
وبالعودة إلى وزارة الإسكان وأنه من السابق لأوانه الحكم على ما تقوم وستقوم به؛ كونها وزارة حديثة، قال: كانت هناك هيئة قائمة تعنى بالإسكان وتم تحويلها إلى وزارة قبل نحو عام، ولسنا بصدد الحكم على عملها أو أدائها، ولكن تلك الوزارة يتطلب منها إيجاد حلول لأزمة كبيرة يعانيها المواطن، والدولة قدمت الدعم الكافي والمطلوب لتعزيز جهود الوزارة لكي تقوم بالدور المناط وتحقق الأهداف المرجوة من إنشائها، وهذا يتطلب من الوزارة أن تكون أكثر القطاعات الحكومية شفافية، وأن تكون لها استراتيجية وطنية معلنة للجميع؛ حتى يعرف الكل ماذا تعمل وإلى أين وصلت؟ كما عليها أن تفتح الباب أمام المطورين والمختصين في هذا المجال لدعم جهودها واختصار الوقت لتحقيق مطالب المواطنين في أسرع وقت ممكن، أما على وضعها الحالي فإنه من الصعب أن تنفذ أو تلبي الحاجة المتزايدة على الإسكان في وقت قريب، بل مشوارها طويل وربما تتضاعف الأزمة وتتضاعف طلبات الحاجة إلى الإسكان، والوزارة محلك سر؛ وهذا ما سيجعل العواقب وخيمة، مشيرا إلى أنه لا يمكن لهم تنفيذ حتى 500 وحدة سكنية في السنة الواحدة وفقا لوضعها الحالي وعدم وضوح رؤيتها.
وعن ما إذا كان المطورون والمقاولون السعوديون يحاولون الضغط على الوزارة لتقاسم الكعكة التي خصصت لبناء هذه الوحدات السكنية، قال: هي ليست كعكة، بل هناك فرص عمل يجب أن يستفيد منها الجميع وتعود بالفائدة المرجوة للمواطن التي خصصت هذه المشاريع من أجله واستقراره، وهذه قضية وطنية يجب أن يشارك المعنيون لدعم تضافر الجهود كي يتم التنفيذ على أفضل المواصفات وفي الوقت المناسب.
وفيما يتعلق بأهلية المقاولين لتنفيذ مثل هذه المشاريع، قال بن حمري: يقيني أن المقاولين والمكاتب الهندسية والمشرفين في حاجة إلى تأهيل، وهذا واجب الوزارة أن تقوم بتنفيذه. وذلك من خلال الاستعانة بالمؤهلين، حيث يوجد نحو ستة آلاف مكتب هندسي ونحو ألف مطور في السعودية، وليس من الصعوبة أن تجد مؤهلين بينهم كي تستفيد من رؤيتهم وخبراتهم، ولكن المهم أن تكون رؤية الوزارة واضحة كي تعرف رؤية الآخرين حيالها، بدلا من اقتصار هذه المهمة على أشخاص معينين وممن لا يطرحون إلا الآراء التي تتوافق مع رؤية الوزير فقط.
وشدد بن حمري على أهمية أن تقوم بمبادرات جديدة تدعم كل الحلول التي تسهم في معالجة قضية الإسكان، وان تشمل المبادرات آلية العمل في صندوق التنمية العقاري، على أن يكون الحد الأدنى للقرض السكني 500 ألف ريال، بينما يحق لأي مواطن آخر أن يحصل على مبلغ أكبر وفقا لدخله الشهري، وخلال سنوات محددة وفق ضوابط معينة وربما فوائد معقولة، بدلا من أن يحتكر الصندوق والقطاعات المعنية بالإسكان في حلقة ضيقة. مضيفا أن هناك مبادرات وآراء مطروحة يجب إعادة النظر فيها وتفعيلها والتي تقضي بأن كل وزارة أو قطاع حكومي يجب أن يكون لديه برامج لإسكان موظفيه بالتنسيق مع وزارة الإسكان على تقتطع هذه القطاعات جزءا من ميزانياتها لصالح برامج الإسكان لديها، وهو ما سيعزز الحلول التي تسعى لها الدولة لمعالجة أزمة الإسكان. وعاد بن حمري إلى قضية التوقف عند تحديد النطاق العمراني لسنوات طويلة، وقال: أعتقد أن وزارة الشؤون البلدية والقروية بإمكانها إيجاد حلول لهذه القضية من خلال فتح مخططات جديدة وتسليمها لمطورين قادرين على تطويرها وبناء أحياء ومدن نموذجية وفق تصاميم عالمية على أن يقوم المطور بتصميم وبناء الوحدات السكنية والمرافق الحكومية والخدمية ويسلمها جاهزة للدولة، وهذا ما سيفتح المجال للتنافس الشريف أمام المقاولين والمطورين وسينعكس إيجابا على الجودة في العمل ومدة التنفيذ، وحتى على أسعار الأراضي والوحدات السكنية. وأشار بن حمري إلى أن المنطقة الشرقية وحدها في حاجة إلى بناء نحو أربعة آلاف وحدة سكنية سنويا، بينما ما يتم بناؤه لا يتجاوز 50 في المائة من الحاجة الفعلية، بيد أن الطلب سيتزايد في السنوات المقبلة، في ظل بطء وتيرة البناء لوجود معوقات كثيرة، وفي مقدمتها البيروقراطية الحكومية.
وكشف بن حمري عن أن شركة تمكين لديها أهداف استراتيجية لبناء نحو 150 وحدة سكنية سنويا منذ إنشائها، وهي تسير في الطريق الصحيح، حيث وصلت الآن إلى تنفيذ نحو 50 في المائة من خططها، وذلك ببناء 75 وحدة سكنية سنويا، وربما الوصول إلى 100 وحدة سكنية في المستقبل القريب. مشيرا إلى أنه سيتم البدء في تنفيذ نحو 200 وحدة سكنية في الشهر المقبل في حي الراكة في الدمام وسيستغرق البناء نحو سنتين.
وأشار بن حمري إلى أن قطاع الإسكان يعاني معوقات كثيرة، سواء ما يتعلق بضعف التمويل من البنوك سواء للشركات أو حتى الأفراد، عطفا على التعاملات الحكومية البطيئة في إجراءاتها.