شهوة الكلام
صارت شهوة الكلام طاغية. الكل يردد: هذا أنا. طاقات الكلام العام التي كانت قصرا على عدد محدود من الناس، أصبحت حالة عامة.
وأصبح الصمت فضيلة تمارسها قلة لا تريد أن تخوض في طاحونة الكلام التي تدور طوال اليوم والليلة. كلام من خلال التلفزيون، كلام من خلال الإنترنت، كلام عبر الهاتف، كلام من خلال الرسائل النصية والتغريدات والواتس أب والبلاك بيري.
الكل يتكلم. سواء في الداخل والخارج. الكل يتحدث. الصغير والكبير. المسؤول السابق والإنسان العادي وبعض المسؤولين الحاليين في مختلف أرجاء العالم.
شهوة الكلام تشبه شهوة الطعام. هي ضرورة في كل الأحوال. لكن ضرورتها لا تمنع من أن الإفراط فيها تسبب الضرر.
عندما تجول في فضاء الإنترنت، تقرأ لهذا وذاك، لا بد أن تفتح عينيك بشدة وأنت تتساءل بدهشة: أحقا أن هذا هو هذا؟ وحتما ستجد من يطرح نفس السؤال عنك ويردد بإعجاب أو استهجان: أحقا أن هذا هو هذا؟
إن شهوة الكلام، إذا بدأت تثير الغبار الضار، تجعل الرئات التي تتخيل أنها تتنفس الحرية، تصاب بالدرن المبكر. لأن هناك خيطا رقيقا يفصل بين حرية الكلام المتزن، وبين الطرح الأعمى الذي تخدعه شهوة الكلام وتجعله دون أن يدري يطعن في خاصرته، فيتحول إلى شخص سادي، يجد المتعة في تعذيب نفسه.