ماذا يعني لنا تخفيض التصنيف الائتماني لدول منطقة اليورو؟
منذ دخول منطقة اليورو في أزمة مالية، خلال الفترة الماضية، خصوصا بعد أزمة اليونان، التي أصبحت أزمة تتجدد، ونتائج التصنيف الائتماني لها تزداد سوءا رغم الحديث عن خطط إنقاذ متتابعة، تتبناها دول كبرى، لاقتصادات منطقة اليورو، لعل التصنيف الأخير الذي أصدرته وكالة ستاندارد آند بورز Standard & Poor's أظهر أن الأزمة ما زالت تشهد تعقيدا أكثر مما كان متوقعا، خصوصا بعد التخفيض للتصنيف الائتماني لمجموعة من دول منطقة اليورو مثل: النمسا، إيطاليا، إسبانيا، والبرتغال، والأسوأ من ذلك أن النظرة المستقبلية لها ولدول أخرى سلبية، ما قد يؤدي إلى استمرار الأزمة احتمال تخفيض التصنيف لبعض هذه الدول مستقبلا، وقد يؤدي إلى كساد للاقتصاد في تلك المنطقة. والمشكلة الاقتصادية في منطقة اليورو معقدة لأسباب متعددة منها أن التركيبة السكانية تشهد تزايدا في أعداد كبار السن سنويا، حيث إن معدل أعمار سكان منطقة اليورو ترتفع، وهذا يمثل ضغطا على الإنفاق في مجال البرامج الاجتماعية والصحة، في مقابل انخفاض لأعداد القوى العاملة المنتجة، خصوصا أن معدل الإنجاب في المنطقة يتناقص بشكل مستمر.
لكن السؤال هنا: ماذا يعني لنا في المملكة ومنطقة الخليج بشكل عام وجود هذه الأزمة في منطقة اليورو؟ خصوصا أننا نرى أن الاقتصاد العالمي في الشرق والغرب يتأثر بهذه التقارير، حيث تجد أن الأسواق في أمريكا الشمالية والصين واليابان والشرق عموما تتأثر بهذه التقارير، ما يشير إلى أن هذه الأزمة ليست أزمة منطقة محدودة، بل إنها أزمة قد تتجاوز إلى دول متعددة حول العالم، ولا يستثنى منها منطقة الخليج التي لها علاقات وثيقة وشراكات مع دول منطقة اليورو.
نحن نعلم أن السلعة الرئيسة في هذه منطقة الخليج هي النفط، الذي ينتعش مع انتعاش الاقتصاد العالمي ويتأثر بحصول الأزمات فيه، فزيادة الطلب تتأثر غالبا بشكل طردي مع تحسن الأحوال الاقتصادية في العالم. ومنطقة اليورو التي منها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال، التي تعتبر مراكز اقتصادية عظمى، وتعتبر ألمانيا وفرنسا وإيطاليا من أضخم 20 اقتصادا في العالم. وهذا يعني بالضرورة أن مستقبل الطلب على النفط قد يتأثر بسبب هذه الأزمة، كما أن من أهم منتجات منطقة الخليج، خصوصا المملكة، البتروكيماويات، التي تعتمد بشكل رئيس على تحسن الأحوال الاقتصادية، التي تعني زيادة في المنتجات والصناعات بمختلف أشكالها. لذلك فإن أسعار النفط ومشتقاته قد تتأثر مستقبلا، لكن في الجانب الآخر نجد أن دولا مثل الصين والهند وبعض دول الشرق الناشئة تشهد نموا جيدا بشكل مستمر، وهذا يسهم في استمرار معدلات الطلب على النفط ومشتقاته مستقبلا، وقد تبقى أسعارها نوعا ما مستقرة، ويبقى أن هناك مسألة مهمة وهي كيف يمكن أن تكون استراتيجية الاستثمار مع الدول الأوروبية عموما ودول منطقة اليورو بشكل خاص بعد هذه الأزمة؟ وهل من المناسب اليوم أن تنتقل بوصلة استراتيجية الاستثمار والتعاون إلى الشرق؟
منطقة اليورو وإن كانت تمر اليوم بأزمة فهذا لا يعني بالضرورة أن هذه نهاية لاقتصادها، فلديها من المقومات الثقافية والهيكل التنظيمي، والإمكانات، والبنية التحتية، ما قد يساعدها على تجاوز الأزمة، ولذلك من الفرص السانحة اليوم في مجال التعاون الاقتصادي الاستراتيجي العمل من خلال الشركات الكبرى وبعض المؤسسات العلمية لنقل التقنية، حيث نجد اليوم أن المستثمرين والشركات الصينية تسعى إلى امتلاك كثير من الشركات التي تواجه أزمة مالية، في إشارة إلى رغبة في نقل جزء من استثمارات هذه الشركات إلى الصين، التي تتضمن نقل التقنية. كما أنه من المهم التبادل المعرفي، حيث إنه من فرص الاستفادة من فرص التعلم المتاحة في أبرز المؤسسات العلمية من خلال استقطاب الخبراء، وبناء شراكات في المجال العلمي والبحثي.
الخلاصة .. إن أزمة منطقة اليورو الاقتصادية، وإن كانت قد تشكل أزمة للاقتصاد العالمي، إلا أنها لا تعتبر انهيارا لهذا الاقتصاد، وأن فرص الاستفادة من هذه الأزمة كبيرة لمنطقة الخليج قد لا تتكرر دائما من خلال نقل التقنية، والاستفادة من نقل المعرفة عبر شراكات علمية بحثية.