رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مطلوب استغلال أو استرجاع الأراضي الممنوحة

شهدت البلاد خلال السنوات القليلة الماضية طفرة في الناتج المحلي والإنفاق الحكومي والخاص، مما أسهم في ارتفاع أسعار الأراضي ارتفاعا فاحشا، رغم كبر مساحة البلاد وارتفاع متوسط نصيب الفرد من هذه المساحة. هناك مساحات شاسعة من الأراضي داخل النطاق العمراني محبوسة عن السوق منذ عقود من الزمن. ولو أتيحت في السوق لما ارتفعت أسعار الأراضي ذلك الارتفاع عندما زاد الطلب.
تمثل تكلفة الأرض، في بعض المدن والأحياء خاصة، تحديا كبيرا أمام معظم الناس. وأتوقع أنها تشكل ما بين 30 إلى 60 في المائة من تكلفة السكن، اعتمادا على اعتبارات عديدة.
لمواجهة تكاليف الإسكان الباهظة، اتخذت الحكومة عدة سياسات لدعم تملك السكن، والمجال لا يتيح الفرصة لاستعراضها. لكنه يلاحظ تركيز السياسات على تقوية الطلب، مثل المنح دون قيود وقروض الصندوق العقاري الميسرة إلى حد التساهل. ومرجعية هذا التركيز طبيعة ودور المالية العامة في اقتصاد ريعي (نفطي)، وخاصة مع نظرة المجتمع التقليدية إلى طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
إنه من العجب وجود مشكلة في العرض رغم المساحة الشاسعة للمملكة. والسؤال ما مصدر محدودية العرض من الأراضي؟
الأسباب عديدة، وهنا مجموعة مقترحة أذكرها إجمالا:
- سياسات منح وتخطيط وتوزيع وتطوير الأراضي عبر عشرات السنين.
- قدرة الاقتصاد الاستيعابية لتلبية الطلب، وتؤثر في هذه القدرة المشروعات غير الإسكانية.
- دور السياسات في الرهن والتمويل والتنظيمات الخاصة بقطاع الإسكان.
- ملكية الأراضي ومدى وجود الحوافز لدفع الملاك إلى التطوير.
أرى أن أهمها حبس مساحات شاسعة من الأراضي الممنوحة على مدى سنين طويلة، حبسها عن التطوير والبيع. والممنوحون ينبغي أن يسموا ملاكا، أما تسميتهم بالعقاريين ففيها عدم دقة.
خلاف حبس المنح، يعمل تضييق النطاق العمراني المفروض من البلديات على تفاقم مشكلة العرض من الأراضي، ويشكل أداة خصبة للمضاربات. ويتزامن هذا التضييق مع بط ء إجراءات الموافقة على تطوير المخططات أو تأخر تنفيذ البنية التحتية ووصول الخدمات. من يقبل السكن في بر لم تصله خدمات ولا بنية؟
في ظل محدودية العرض من الأراضي، عملت طفرة الطلب (الإنفاق الحكومي والخاص) على إشعال أسعار الأراضي. عولج الأمر بدعم الطلب أكثر (مثلا زيادة حجم قروض الصندوق وزيادة رواتب بعض الناس) فارتفعت الأسعار أكثر، وهكذا مما يبدو أنه دوران في حلقة مفرغة. لكسر هذه الحلقة لا بد من معالجة الجذور، في إطار استراتيجية الإسكان. وقد عقدت وزارة الإسكان ورشة العمل الرابعة للاستراتيجية الوطنية للإسكان خلال الفترة من 23 إلى 25 المحرم 1433هـ. ومما ناقشته الاستراتيجية المتطلبات التنظيمية لقطاع الإسكان، ودعمه وكفاءة سوقه. أرجو أن تعمل هذه الاستراتيجية على طرح أفكار تعالج الجذور، وأن تجد طريقها إلى التطبيق. من المعالجات المقترحة فرض رسوم عليها (كتبت مقالة بعنوان ''الرسوم تخفض أسعار الأراضي''، نشرت في 3/10/2011). من المعالجات الإلزام بفترة زمنية لتخطيطها وبيعها أو بيع ما فاض عن الحاجة، وإلا استرجعت (أعني الأراضي الممنوحة). قد تبدو هذه المقترحات عسيرة على التطبيق. ولكن الظروف تحتم المعالجة الجذرية. لا بد من صنعاء وإن طال السفر، كما يقول المثل.
نعرف جميعا أن منح الأراضي سياسة سارت وتسير عليها الدولة، لكن يلاحظ أن المنح لا يخضع لسياسة واضحة المعالم. سياسة المنح صعبت الحصول حاليا على أرض حكومية داخل ما يسمى النطاق العمراني في بعض الأماكن لإقامة مرافق أساسية، مثلا.
ولذا من المهم جدا وضع قانون وسياسة لمنح الأراضي تقوم على معايير موضوعية نزيهة في تقدير الاحتياجات، حيث تتصف بصفات العدل والرسوخ ومراعاة الاحتياجات على المدى البعيد.
من المهم دراسة أخطاء الماضي. قبل نحو ربع قرن وزعت أراض على ذوي الدخل المحدود، (حي ذوي الدخل المحدود في الرياض)، وكان هناك عدد محدد من الأراضي وزعت كلها على المتقدمين المستحقين آنذاك، ولم يكن هناك تصور لوضع سياسة راسخة للمنح تؤمن إعطاء من تتوافر فيه الشروط أرضا عند الطلب، وهذه نقطة ضعف في كثير من القرارات التي تأتي لحل مشكلة آنية، دون إعطاء اهتمام قوي بالمستقبل البعيد أي القدرة على الاستمرارية.
رفض المعالجات المقترحة يتطلب - في نظري - تخطيط أحياء جديدة أبعد. ولكن ترغيب الناس في السكن في هذه الأحياء يتطلب (ضمن طلبات عديدة) توفير نقل عام متطور يعتمد عليه كثرة من الناس.
باختصار، يشكل غلاء الأراضي تحديا كبيرا أمام تحقيق تطلعات الناس للحصول على سكن ملائم. وقد عمل على بروز المشكلة بحدة خلال السنوات القليلة الماضية نمو الإنفاق الحاد المقرون بمحدودية مزمنة في عرض الأراضي. من أهم سبل حل المشكلة فرض سياسات تدفع إلى تطوير وبيع الأراضي المحبوسة، وخاصة الممنوحة، وبالله التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي