بيانات الإنجازات تبرر الإنفاق المالي
يواجه الاقتصاد الوطني تحديات اقتصادية عديدة، ويتركز جل اهتمام السكان على عدد من القضايا الجوهرية لعل أهمها تغيرات الرواتب والمشاريع ومخصصات التعليم والبطالة والسكن والرعاية الطبية. ومع أن هناك جهودا حثيثة لرفع رفاهية المواطنين، والتصدي للمصاعب التي يواجهونها، والتغلب على التحديات الناتجة عن معضلات البطالة المتزايدة والسكن والتأمين الطبي، إلا أن بيانات الموازنة في هذا العام لم تتطرق إلى إجمالي تأثيرات الرواتب والتحويلات وما يبذل من جهود أو ما سيبذل للتصدي للبطالة المرتفعة وتصاعد تكاليف السكن، كما لم تتضمن الموازنة أي إشارة إلى مسألة التأمين الطبي.
تشكل رواتب وبدلات الموظفين والتحويلات الجزء الأكبر في الميزانية. ويحاول البعض التقليل من الدور الكبير الذي تلعبه الرواتب والتحويلات في المتغيرات الاقتصادية الوطنية، إلا أنها تعد أهم عامل مؤثر في حركة التبادلات الاقتصادية في المملكة. ومن المستغرب عدم تطرق بيان الموازنة إلى مجمل تأثيرات الرواتب والتحويلات في دخول المواطنين، وفي موازنة الدولة، خصوصاً بعد القرارات الملكية في بداية عام 2011، وتأثيرها الواضح والكبير في حياة المواطنين ورفاهيتهم وفي الحركة الاقتصادية بوجه عام.
وتبذل الدولة جهوداً مضنية للحد من نمو بطالة العمالة الوطنية سواءً من خلال رفع مستويات توظيف المواطنين في القطاع الحكومي، الذي يعد الموظف الرئيس للمواطنين، أو من خلال تطوير البنية الأساسية، ودعم القطاع الخاص، وسن تشريعات لرفع توظيف السعوديين فيه. واستحدثت الدولة برنامج ''حافز'' لدعم العاطلين عن العمل، وهو من البرامج الجديدة في الإنفاق الحكومي، الذي سيرفع الإنفاق الحكومي، لكنه سيوفر دعماً قوياً للعاطلين عن العمل وسيساعدهم على تخطي صعوبات البطالة. ومع أهمية هذا البرنامج الجديد، إلا أنه لم يتم التطرق إليه وإلى تكاليفه في بيان الموازنة. ويمكن لبيان الموازنة إبراز وتوفير معلومات عن منجزات التوظيف الحكومي خلال العام المنصرم، وعن خطط التوظيف للعام القادم كي تجرى مناقشتها. فمن خلال إيراد بيانات عن منجزات وخطط التوظيف الحكومي يمكن تحديد دور القطاع الخاص في توظيف المواطنين، وتبني السياسات اللازمة لتنفيذ خطط التوظيف في القطاعات الخاصة والعامة، أو على الأقل تحديد أهداف معينة لرفع مستويات التوظيف أو خفض مستويات البطالة كل عام بنسب معينة. وكانت الموازنات التي صدرت قبل عدة عقود توفر قدراً أكبر من الشفافية عن الوظائف في القطاعات الحكومية المختلفة. وتتستر الإدارات الحكومية على الوظائف الشاغرة لديها وكأنها أسرار عسكرية، وذلك من أجل مصالح ضيقة لبعض موظفيها. ولهذا ينبغي توجيه الإدارات الحكومية المختلفة بتوفير أقصى درجات الشفافية حول الوظائف الشاغرة لدى هذه الجهات حسب الموقع الجغرافي. ومن الأفضل نشر هذه المعلومات على المواقع الرسمية للإدارات والهيئات الحكومية ليتمكن الجميع من الاطلاع عليها، حيث يمكن من خلال الاطلاع على المواقع الرسمية معرفة هذه الوظائف بكل شفافية وشغلها بالأفضل والأكثر جدارةً بها.
ولا يخفى على أحد معاناة كثير من سكان هذه البلاد الكريمة من معضلة السكن. ويعاني ذوو الدخول المنخفضة خصوصاً ونسبة كبيرة من ذوي الدخول المتوسطة هذه المعضلة. وينظر هؤلاء بكل أمل وثقة إلى خطط الدولة في مجال الإسكان، بعد أن ارتفعت تكاليف بناء المساكن إلى مستويات فوق مقدرة نسبة كبيرة من السكان. وتبذل الدولة جهوداً حثيثة لحل معضلة السكن لعل من أبرزها التمويل الحكومي لبناء المساكن من خلال صندوق التنمية العقارية، وبرامج بناء الوحدات السكنية، ومنح الأراضي الحكومية. فحبذا لو تم إصدار معلومات وبيانات عن عدد القروض العقارية الممنوحة في السنة المالية المنصرمة المزمع منحها في العام المقبل، وعدد الوحدات السكنية المبنية المزمع بناؤها، وعدد قطع الأراضي الممنوحة المزمع منحها العام القادم، وأي برامج أخرى وسياسات أخرى متعلقة بالإسكان. إن توافر الشفافية عن عدد الوحدات السكنية المزمع بناؤها خلال الموازنة، وسياسات وحجم الإنفاق في مجال الإسكان تضع أسسا جيدة لمعرفة الدور المتبقي على الأفراد وقطاع الأعمال. وستساعد الشفافية بخصوص إنجازات وخطط الإسكان الحكومي الأفراد والأعمال على اتخاذ القرارات المناسبة للتعامل مع قضية الإسكان.
ويعاني كثير من المواطنين بمن في ذلك الموظفون المدنيون غياب التأمين الطبي، خصوصاً في حالات الطوارئ وعدم القدرة على توفير ضمان طبي مناسب للمخاطر الصحية المفاجئة. وكانت هناك مؤشرات عن قرب ظهور برنامج للتأمين الطبي لكن لم يتم إصدار أو وضع خطط معينة لتطبيق برنامج شامل للتأمين الطبي. ويتعجب كثير من المواطنين من مستويات الإنفاق الضخمة التي تصدر في الميزانية، التي لا تتضمن إلى الآن تخصيص أي مبالغ لتوفير تغطية صحية ولو جزئية أو في حالة الطوارئ للمواطنين.
لقد ارتفع الإنفاق الحكومي بقوة خلال السنوات الماضية ونتج عن هذا الارتفاع كثير من الإنجازات. واحتوى بيان الموازنة على كثير من البيانات المالية، لكن كثيرا منها تبدو صماء، لأنها تتحدث عن مبالغ مالية ولا تشير إلى الإنجازات التي تمت أو ستتم من وراء صرف هذه المبالغ. إن بيان الموازنة في حاجة إلى إبراز تأثير الصرف الكبير في المجالات المختلفة، خصوصاً في المجالات التي تؤثر في أكبر شريحة من المواطنين. صحيح أن التطرق لبعض الإنجازات سالفة الذكر يتطلب جهوداً كبيرة من الإدارات الحكومية المختلفة، لكن ينبغي توجيه هذه الإدارات بضرورة إرفاق معلومات عن منجزاتها في السنة المالية المنصرمة وخططها المستقبلية في المجالات المغطاة كالتوظيف والإسكان كشرط من شروط مناقشة وإقرار موازناتها.