توطين الوظائف في قطاع التجزئة
البطالة اليوم أصبحت من القضايا التي تؤرق المجتمع، ففي الوقت الذي فيه توجد أعداد كبيرة من الإخوة المقيمين، نجد أن كثيرا من المواطنين لا يتمكنون من الحصول على عمل مناسب، وتجد من يحمل شهادات قد تكون جامعية ومهنية يمكث فترة طويلة للحصول على عمل. البطالة تعتبر ظاهرة اقتصادية، تتأثر بالعوامل الاقتصادية لكل بلد، فعند تحسن الوضع الاقتصادي، يتحسن وضع سوق العمل، وبالتالي ينخفض معدل البطالة. لكن الوضع في سوق العمل في المملكة يختلف، فتحسن الوضع الاقتصادي لم يغير كثيرا في سوق العمل من جهة انخفاض معدل البطالة، إذ تشير بعض الإحصائيات إلى تجاوز نسبة البطالة أكثر من 10 في المائة، في ظل وجود الملايين من الوافدين في مختلف الوظائف سواء الحكومية أو الأهلية، ومع تزايد الاستقدام.
قطاع التجزئة أحد القطاعات التي يوجد فيها ملايين الوظائف، وفرص التوظيف فيه كبيرة سواء للمواطنين أو المقيمين نظرا لكثرة منافذه ونمو الحركة التجارية وتنوعها في المملكة، إضافة إلى النمو الاقتصادي المتواصل الذي أوجد وفرة مالية لدى البعض، حيث يضخ كثير منها في قطاع التجزئة.
عقد مجلس الغرف السعودية لقاء اقتصاديا حول قطاع التجزئة ودوره في توطين الوظائف، الذي تضمن ورقة للدكتور إحسان بوحليقة تبعه مداخلتان لأحمد الحميدان وكيل وزارة العمل وسعد العجلان رجل الأعمال وعضو الغرفة التجارية في الرياض، واتسم اللقاء بأنه ضم نخبة من رجال الأعمال وممثلين من وزارة العمل، وبعض المتخصصين والمهتمين بموضوع اللقاء، واتسم اللقاء بالصراحة والشفافية، ورغبة الجميع في المشاركة بصورة تضمن فاعلية في تطبيق التوطين، دون أن تكون هناك قرارات قد تنعكس سلبا في المستقبل على قطاع التجزئة.
قضية توطين الوظائف لأي قطاع تتطلب دراسة للجوانب المؤثرة فيه، للتأكد من أن العناصر تتكامل لتوفير البيئة المناسبة لتوطين هذه الوظائف، ولذلك نجد أن العناصر المؤثرة في هذا القطاع مرتبطة بأمور تتعلق بالأنظمة والتشريعات، والباحثين عن عمل، والقطاع الخاص، واحتياجات السوق أو المجتمع.
فمن القضايا التي تشكل قلقا وخللا في منظومة سوق العمل هي أن الأغلبية العظمى من العاملين في قطاع التجزئة هم من غير المواطنين، في ظل وجود باحثين عن العمل من المواطنين، وهذا القطاع يوفر دخلا جيدا ولا يتطلب كثيرا من المهارة والتدريب.
فيما يتعلق بالتشريعات والتنظيم فنظام الكفالة للعامل المقيم يشجع على بعض المخالفات النظامية مثل التستر، الذي يسهم في وجود كثير من العاملين دون حاجة حقيقية إلى كافله، إضافة إلى أنه يجعل بعض المواطنين يأخذ مالا ويحقق دخلا بغير حق، وذلك مقابل استمرار تجديد الإقامة.
من القضايا التي قد تساعد على نجاح تنظيم قطاع التجزئة هي النظر في مسألة وضع حد أدنى للرواتب متساوٍ للمواطن والمقيم، خصوصا في الوظائف التي يستهدف توطينها، حتى تكون تنافسية المواطن أكبر، ولتحفز استقطاب كفاءات جيدة لسوق العمل في المملكة، وتشجيع تفعيل التقنية في الأنشطة التجارية. تضاف إلى ذلك مسألة تنظيم وقت العمل بحيث تكون ساعات العمل محددة وتتناسب مع احتياج المستفيدين من المتسوقين وتراعي مسؤوليات الموظف الاجتماعية ومسؤولياته الأسرية.
من الأمور المتعلقة بالموظف مسألة التدريب والتعليم والتأهيل لجميع الجوانب، فالعمل في هذا القطاع يتطلب مهارات في التعامل، كما أن مؤسسات التعليم عموما لا تقدم أبسط المهارات التي تهيء للمواطن العمل بشكل عام.
أما فيما يتعلق بالقطاع الخاص فإن عليه مسؤولية وطنية لنجاح التوطنين وهو خيار استراتيجي على المديين المتوسط والطويل، حيث إن الاستثمار في المواطن ضمانه - بإذن الله - لاستدامة التنمية الاقتصادية، فنحن نشاهد أن التقلبات السياسية والتحسن الاقتصادي لبعض الدول التي يعتمد رجال الأعمال على القوى العاملة التي تأتي منها قد يؤثر ويلقي بظلاله على توافر القوى العاملة المناسبة مستقبلا، وقد يؤثر في استدامة كثير من المشاريع مستقبلا، كما أن الدخل الذي يحصل عليه المواطن سيعاد ضخه في السوق، ولذلك ينبغي إعطاء الفرصة للمواطن للعمل في القطاعات المختلفة ومنها التجزئة وتوفير فرص التدريب، وتحسين تنافسية هذا القطاع. كما أنه ومن خلال النظر في تجربة قطاع التجزئة في المملكة، وفي دول أخرى في العالم تجد أن كثيرا من الموظفين يعملون في هذا القطاع بشكل مؤقت، ولذلك من المناسب أن يكون أكثر ديناميكية، بحيث تكون فيه مرونة في التوظيف سواء للدوام الكامل أو الجزئي، وأن يتقبل توظيف طلاب الجامعة.
الخلاصة .. إن توطين الوظائف في قطاع التجزئة خيار استراتيجي لما يتميز به هذا القطاع من وفرة الوظائف وسهولة الانخراط فيه، وإمكانية أن يقدم رواتب جيدة، ومع ذلك نجد أن النسبة العظمى من العاملين في هذا القطاع هم من غير المواطنين، ما يتطلب مجموعة من الإصلاحات التي قد يكون منها تنظيم بيئة العمل في قطاع التجزئة، والنظر في نظام الكفالة في المملكة، وتوفير فرص التأهيل لهذا القطاع.