رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مرتكزات سياسة الإسكان.. التكلفة والتمويل والتنفيذ

تبرز مشكلة توفير السكن كإحدى أهم القضايا الوطنية التي أخذت حيزًا كبيرًا من الطرح الإعلامي والنقاش العام، وإجماعًا رسميًّا وشعبيًّا على أولويتها الاجتماعية والاقتصادية، ومع ذلك لا يلوح في الأفق توجه نحو وضع حلول ناجعة وشاملة ومستدامة. فعلى الرغم من المبادرات الحكومية المتعددة للتصدي للمشكلة، إلا أن تلك المبادرات تفتقد الرؤية الشمولية والعمق والتناسق فيما بينها. هذا الغياب لسياسة موحدة للإسكان (ينضوي تحتها جميع الأطراف المعنيين بقطاع السكن من أجهزة حكومية ومؤسسات القطاع الخاص ومنظمات العمل الخيري)، ربما يكون السبب الرئيس والعائق الأكبر في مواجهة تحديات توفير السكن. فالإسكان منظومة متكاملة، لا يمكن تناول جزء منها دون الأخذ في الحسبان الأجزاء الأخرى. وبقراءة تحليلية لوضع الإسكان نجد أن هناك ثلاثة مرتكزات أساسية هي في اعتقادي تقع في لُبِّ قضية الإسكان، وهي: التكلفة، التمويل، والتنفيذ. هذه الأمور الثلاثة متداخلة ومتشابكة، وإغفال أحدها أو تناولها متفرقة يقلل من كفاءة وفاعلية سياسات الإنفاق الحكومي وآلية السوق، ومن ثَمَّ لا يكفي أن يكون هناك إنفاق سَخِيٌّ، لكن يجب أن يكون ذلك الإنفاق والتنظيمات الحكومية في إطار من سياسة عامة مبنية على تحقيق خفض التكلفة وتوفير التمويل المناسب للفئة المستهدفة وجودة وكفاءة التنفيذ.
خفض التكلفة العنصر الأهم في توفير السكن، فهي السبب الرئيس وراء عدم قدرة معظم الناس على الحصول على السكن سواء تملكًا أو إيجارًا. وخفض التكلفة على المستوى الكلي يكون عبر زيادة مخزون الوحدات السكنية، والاستجابة للتفاوت في نوعية الطلب في الذوق والقدرة الاقتصادية، لكن بشرط أن تعمل آلية السوق بكفاءة لتحقق التوازن بين العرض والطلب على المدى الطويل. وعلى المستوى الجزئي تتأثر تكلفة إنتاج الوحدات السكنية بأسعار الأراضي ومواد البناء وحجم الوحدة السكنية ومواصفاتها المعمارية. وتُعَدُّ أسعار الأراضي التي تضخمت بمعدل فاق المعدل العام للتضخم العامل الرئيس وراء ارتفاع تكلفة السكن. فبعدما كانت لا تتعدى 25 في المائة من التكلفة الاجمالية للسكن أصبحت عند مستوى 40 في المائة. وارتفاع تكلفة الأرض تعود إلى أسباب عدة، أهمها الاحتكار وشح الأراضي المطورة. فقرار منح الأراضي لغرض الاستثمار يحتاج إلى مراجعة بحيث لا يقتصر على فئة بعينها، إنما تخضع للمنافسة العامة. وفي هذا السياق، يلزم التفريق بين قرار التطوير وطريقة التنفيذ، فقرار التطوير يلزم أن يكون عامًّا عن طريق البلديات، وأما طريقة التنفيذ فتمنح لمطورين في القطاع الخاص بالمنافسة. ويلزم أن يكون الهدف من استخدام الأراضي هو الاستثمار وليس المتاجرة كما هو واقع الحال. وعليه؛ يفترض أن يُلْزَم مطورو الأراضي ببناء نسبة من الأرض وليس فقط تطويرها. والأصل أن الأرض حق عام، ومن ثَمَّ يلزم أن يكون هناك رسم حكومي كعائد اجتماعي نظير الاستخدام الاستثماري حتى تتحول الأرض إلى استخدام فردي أو عائلي، حينها فقط تتحقق المصلحة العامة. وهذا هو المبرر لمطالبة الكثيرين بوضع رسوم على الأراضي الاستثمارية البيضاء؛ لأن في إبقائها دون استخدام تكلفة اجتماعية وتعطيل للموارد الاقتصادية. وما يسهم في خفض تكلفة الأرض تصغير حجمها، وهذا ما يلزم أن يعمل عليه المخططون ضمن سياسة الإسكان الموحدة. إن من اللازم في عملية التخطيط للأراضي السكنية الأخذ في الحسبان المستويات الاقتصادية المتفاوتة للسكان والاستجابة لأذواقهم وقدراتهم الاقتصادية، لكن تبقى الأولوية للأقل حظًّا في المجتمع، فمهمة السلطة العامة تحقيق التساوي في الفرص بين فئات المجتمع التي يخفق السوق في تحقيقها. ومن هنا؛ فإن قرار تطوير الأراضي يكون ضمن معايير وطنية تحقق أهداف سياسة الإسكان وليس قرارات بيروقراطية ضيقة الأفق تحقق مصالح المتنفذين والمؤثرين ومجموعة المصالح النخبوية.
وفي ظل إيجاد سياسة موحدة للإسكان سيكون التمويل الحكومي للإسكان متزامنًا مع توفير الأراضي، سواء للإسكان العام أو الإسكان الخاص، وكذلك توفير مواد البناء، إذ إن الإنفاق الحكومي في تنمية قطاع الإسكان سيؤدي إلى ارتفاع الطلب على الأراضي ومواد البناء، وإذا لم يؤخذ ذلك في الحسبان فسيقود نحو ارتفاع معدل التضخم إلى مستويات تقلل من كفاءة سياسة الإسكان وتحقيق أهدافها وتجعلنا نعود إلى المربع الأول. ولا يلزم أن يكون التمويل مقتصرًا على البناء وتملك المساكن، كما هو واقع الحال، بل يفترض أن يتعداه إلى المساهمة في دعم الإيجارات للفئات الاجتماعية الأقل حظًّا. وسياسات التمويل الحكومي للإسكان لا تقتصر على التمويل المباشر، بل يلزم أن تكون هناك تنظيمات تتيح للطبقات الاقتصادية المحتاجة إلى تمويل من البنوك التجارية بفوائد منخفضة، إما بإلزام البنوك بقوة النظام وتذكيرها بالمسؤولية الاجتماعية ومجانية العمل المصرفي، أو أن تتحمل الحكومة جزءًا من تكلفة التمويل.
أما خفض متوسط تكلفة بناء المساكن فلا سبيل إلى ذلك إلا من خلال الإنتاج الوفير، وهذا يتطلب إنشاء شركات حكومية كبيرة تستطيع القيام بهذه المهمة العظيمة. ويشير الوضع الراهن إلى احتكار شركات خاصة بعينها قطاع المشاريع الحكومية، ما يقلل من المنافسة، ومن ثَمَّ يرفع التكلفة. وهذا يقود إلى ضرورة إعادة النظر في مفهوم تطوير قطاع الإسكان في أنه لا يقتصر على توفير المساكن وحسب، بل إنه آلية لتحفيز التنمية وتوفير الوظائف. من هذا المنطلق تكون سياسة الإسكان سياسة تمكين بحيث يتم توفير السكن وكذلك توفير الوظيفة، فالسكن يحتاج إلى تكاليف تتعدى بناءه إلى العيش فيه. ولتحقيق ذلك يقترح إنشاء شركة وطنية حكومية للإنشاءات والمقاولات العامة على غرار نموذج ''سابك'' تقوم ببناء المساكن بإنتاج وفير وبتكاليف متوسطة منخفضة، وفي الوقت ذاته تكون آلية لإعادة توزيع الدخل بحيث تتم الاستفادة من التمويل الحكومي من قبل جميع المواطنين عبر توفير الوظائف وطرح أسهمها للاكتتاب العام.
دون سياسة عامة للإسكان ستبقى الجهود والموارد مشتتة، ولن تستطيع الدولة على الرغم من الإنفاق السخي والجهود الحثيثة والنوايا الصادقة تحقيق تقدم كبير في قطاع الإسكان. إن عمل الأجهزة الحكومية منفردة مهما بلغ من كفاءة سيكون قاصرًا عن إدراك الأهداف الوطنية ورفع مستوى الإنتاجية. وسيكون من الخطأ عندها تحميل جهة حكومية بعينها مسؤولية الإخفاق بهذه المهمة. المطلوب سياسة إسكان عامة تكون بمنزلة البوصلة التي توجه الجهود والموارد وتحقق أهدافًا متعددة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي