قراءة في محاضرة الأمير خالد الفيصل

في محاضرة شاملة ونوعية ألقاها الأمير خالد الفيصل في الجامعة الإسلامية؛ تطرق فيها إلى منهج "الاعتدال السعودي" ومنابعه الإسلامية وتجربته التاريخية في ظل الظروف الموضوعية اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، خاصة منذ بدء الدولة السعودية الثالثة تحت قيادة الملك المؤسِّس عبد العزيز حتى الحاضر. المحاضر ممارس للسياسة والإدارة وناشط ثقافي، لذلك فإن ما لم يذكره مهم، وأحياناً أهم مما يذكر بسبب طابع المسؤولية أحياناً، وأحياناً أخرى بسبب الاعتدال السعودي في أطروحات الاجتماع السياسي. لفتت نظري محاور عدة.
ما زالت الممارسات السعودية في الميدان السياسي الخارجي تأخذ بمنهج متحفظ، على الرغم من الأرضية الصلبة، ولعل أفضل نصر استراتيجي هو النزعة الإسلامية في الحركات السياسية في الدول العربية، كما ذكر الأمير. إنما المستغرب هو تردد المملكة في تبني هذه الحركات ومساعدتها على المشاركة الفاعلة في إعادة ترتيب النظام السياسي في المنطقة. الدور السعودي المنتظر محوري، حيث لدى المملكة نصر استراتيجي من الناحيتين المعنوية والسياسية ولديها نصر تكتيكي في المضمار المالي. لم نترجم عناصر القوة إلى دور قيادي - في نظري - بسبب حالة الحذر، والثاني بسبب حالة الإعياء في التجربة التنموية.
تحدث الأمير عن قدرة المملكة قيادة وشعباً على التكيُّف مع مستجدات العصر العلمية والفنية والانتصارات المعنوية ضد قوى الجهل، ولكن هذه لا تزال في أغلبها تعبيراً عن صعوبات في حالة التكيُّف وليس حالة الإنتاجية. كانت المحاضرة مليئة بذكر المرتكزات الفكرية، ولذلك لم يكن للتنمية المكان المأمول، علما أنه يصعب الحديث اليوم عن أي مجتمع نام دون إعطاء التحديات التنموية مكانها الطبيعي. وهنا أيضا سببان: الأول، منهجي، حيث إن هذه القضايا تفصيلية، والسبب الثاني، ذو خصوصية إسلامية عربية بامتياز، حيث إن الأغلبية العظمى من أطروحاتنا تصب في السياسة والاجتماع على حساب التنمية. لكني أعتقد أنه كلما عزّزنا هذا التوجّه في طرحنا قللنا من مركزية التنمية، وجعلنا من السياسة مهنة مَن لا مهنة له. كان ذلك الخطر واضحاً، حينما أشار الأمير إلى الظاهرة الأزلية في الاختطاف السياسي في المنطقة. كلما قصرنا في التنمية أصبحت الظاهرة الخلدونية أكثر موضوعية، بل متوقعة - أحدّد الظاهرة الخلدونية بظهور مجموعات صغيرة طامحة في اغتصاب السلطة بسبب إغراق النخب العربية الإسلامية في التكيُّف السياسي على حساب المراهنات الاستراتيجية التنموية.
ولذلك هناك خصوصية سعودية وقيمتها المعنوية والروحية سويداء قلب الكيان وستكون خسارة فادحة إذا لم تتبعها رؤية جديدة تأخذ بنا إلى أعلى مدار ممكن. أتفق مع الأمير على أن النظم الغربية نجحت في سياقها التاريخي والموضوعي، ولذلك فإن المناداة بتطبيقها تحمل مخاطر، ولكن عدم وضوح رؤية تنموية جديدة يحمل مخاطر أكبر. تاريخياً، انشغلنا بإعادة تأهيل تاريخنا والأخذ من الغرب قوالب في أغلبها غير مناسبة، ولذلك حان الوقت لنطوي صفحة الماضي ونعيد جدولة أولوياتنا التنموية بالأخذ من الغرب وغير الغرب.. دون ذلك سيدب الإحباط وهذا ما حذّر منه محاضرنا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي