رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الاحتكار وغلاء الأراضي.. فهم الكلام قبل نقده

جرّت مقالة الأسبوع الماضي ''الاحتكار ليس سبب غلاء الأراضي في السنوات الأخيرة'' انتقادات، كثير منها بني على عدم فهم للكلام.
ما أكثر الذين ينتقدون أقوالا لم يفهموها جيدا.
قلت في مقالة الأسبوع الماضي إن ارتفاع الإنفاق الحكومي جراء ارتفاع أسعار فإيرادات النفط سبب رئيس لارتفاع أسعار الأراضي خلال السنوات الأخيرة.
لا شك أن من أهم أسباب غلاء الأراضي هو كون مساحات شاسعة من الأراضي داخل المدن محتكرة، أي محبوسة عن بيعها، مما تسبب في أزمة عرض، خاصة مع عدم وجود رسوم أو تحصيل للزكاة.
لكن الكلام السابق كلام عام يصلح الآن ويصلح قبل آلاف السنين، أي أنه لا يفسر بذاته سبب ارتفاع أسعار الأراضي ارتفاعا حادا خلال السنوات الخمس الماضية. وبلغة أخرى: لماذا كان معدل التضخم في الأراضي عاليا جدا خلال السنوات الخمس الماضية، ولم يحدث هذا المعدل في السنوات الخمس التي سبقت. مثلا، نرى ملاك الأراضي المعروضة للبيع في حي كذا، يعرضون أراضيهم الآن بسعر 2000 ريال للمتر (مثلا) الآن، وكانت تعرض بسعر 500 ريال للمتر قبل عشر سنوات مثلا. ما الذي جعل ملاكها قبل عشر سنوات (الذي باعوا آنذاك)، ما الذي جعلهم يرضون بـ 500 ريال بدلا من ألفي ريال؟ أكانوا كلهم زهادا في الدنيا آنذاك، وارتضوا بـ 500 ريال؟! هل استغفلوا كلهم؟! طبعا هذا كلام غير منطقي، لا أحد يصدقه.
نحن - وأقصد بذلك الاقتصاديين الذين قضوا سنوات طويلة في دراسة وتطبيق علم الاقتصاد ومنهجيته وأدواته ونظرياته – نحاول تفسير الوقائع والأحداث وارتباط المتغيرات الاقتصادية تفسيرا موضوعيا وعقلانيا، بمنهجية حيادية، محاولة في فهم الأسباب ومسبباتها، بغض النظر عن الاعتبارات والجوانب الأخرى. ولذا نبتعد قدر المستطاع عن استخدام عبارات تدل على محتوى أو ميول عاطفية لفريق دون فريق.
هنا تعليقات وردودي عليها
قال بعض المنتقدين بما معناه هل تنكر وجود احتكار؟ هل تنكر وجود مساحات شاسعة من الأراضي محبوسة عن العرض، ما تسبب في رفع الأسعار؟
وهل أنكرت ذلك في مقالي؟! لقد قلته بلغة صريحة، ولكنني قلت أيضا إن النقاش ليس في هذا، أي أن الانتقاد ليس هو موضوع المقال.
قال معلقون إن سوق الأسهم والمضاربة ساهمت في ارتفاع أسعار الأراضي.
وهل أنكرت ذلك؟! بل قلته في مقالي ما نصه ''زيادة الطلب بسبب عدة عوامل على رأسها الإنفاق الحكومي وزيادة السكان والمضاربة (طلب مصطنع) خاصة مع أفول سوق الأسهم''.
بعض المنتقدين انتقد نظرية ارتفاع الطلب، ومن أدلته أن الإيجارات لم ترتفع.
ردا عليه، أقول له بل زادت الإيجارات، ولكن ليس من الضروري أن ترتفع بنفس ارتفاع أسعار الأراضي، لأن الإيجارات تحكمها اعتبارات عديدة بالإضافة إلى سعر الأرض. وعائد الأرض عادة أقل من عائد سلعة تقبل الاستحداث. ومن جهة أخرى، زادت الإيجارات في بعض الأماكن أضعافا مضاعفة. الخلاصة أنه لا يمكن الحكم بحكم واحد.
أما كون الطلب قد زاد فليست نظرية بل هي حقيقة. وهنا مزيد توضيح.
ارتفاع الطلب له أكثر من سبب وسبب، ولكن أقوى سبب في الدول النفطية الخليجية هو ارتفاع الإنفاق الحكومي. لماذا؟
لأننا بلد يقوم اقتصاده على النفط، وهذه مسألة معروفة للقاصي والداني. ومن ثم كان الإنفاق الحكومي المحرك الأكبر للاقتصاد. سنبقى كذلك إلى أن يتطور الاقتصاد وتتنوع وتكبر مصادر دخله.
الإنفاق الحكومي له تأثير مباشر وتأثير غير مباشر:
التأثير المباشر يأتي من زيادة الطلب الحكومي المباشر على السلع والخدمات المتغلغلة في كافة مفاصل الاقتصاد.
التأثير غير المباشر يأتي من جراء اعتماد الأنشطة بعضها على بعض. الحكومة تشتري سلعا وخدمات، وتتعاقد مع مقاولين لتنفيذ مشاريع، وتقديم خدمات صيانة، وتدفع رواتب وبدلات ونفقات منوعة لموظفيها، وكل هؤلاء يشترون من مزودين آخرين وهكذا، في إطار مضاعفات. وهناك من يأخذون أموالا بطرق مختلفة، وليس المقام لتوضيحها.
وكثيرون جدا يستفيدون من الإنفاق الحكومي، غير الرواتب والبدلات بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، عبر مضاعفات وانتقالات في مفاصل الاقتصاد، بغض النظر عن عدالة توزيع هذا الإنفاق، أو عدالة الاستفادة منه. وهذه قضية لا يستوعبها كثيرون.
وإجمالا، ارتفع الطلب الكلي بشدة خلال الفترة منذ 2004، وبمعدلات أعلى كثيرا من الإنتاج الكلي، وكان أحد أسباب انجذاب الأسعار إلى أعلى. ومن يريد الأرقام فإن المقام لا يتيح التفصيل، وله أن يطلع على تقارير مؤسسة النقد السنوية. وهي متاحة على موقعها.
باختصار، لا شك أن من أهم أسباب غلاء الأراضي هو كون مساحات شاسعة من الأراضي داخل المدن محتكرة، أي محبوسة عن بيعها ما تسبب في أزمة عرض، خاصة مع عدم وجود رسوم أو تحصيل للزكاة.
لكن الكلام السابق كلام عام يصلح الآن وقبل الآن ويصلح قبل آلاف السنين. يرى الباحثون الاقتصاديون في مراكز بحثية جامعية أو دولية محترمة أن الإنفاق الحكومي سبب رئيس للتضخم في الاقتصاد النفطي السعودي خلال السنوات الخمس الماضية. هناك شيء اسمه الإرادة وجودة الإنفاق، والمال ليس مصدر علاج أو إصلاح كل شيء، وبالله التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي