الفساد الإداري يتطلب إصلاحا إداريا!
ربما يكون الاعتراف بوجود الفساد الإداري رسمياً خطوة أساسية في مواجهته، لكنه بكل تأكيد لا يكفي لمعالجته وتجفيف منابعه أو على أقل تقدير التخفيف من وطأته ومحاصرته. لم يعد ممكنا التعامل مع الفساد على أنه قضية روتينية إجرائية تتعلق بحالات فردية يتم تناولها في مساحة ضيقة من النقاش لا تتعدى اجترار التصريحات الإعلامية التي تندد به وتذكر سلبياته الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والكشف عن خطط لمحاربته. الفساد الإداري أكثر وأكبر من حالات اختلاس ورشا هنا وهناك لضعاف النفوس الذين يخونون الأمانة والوطن، وهي ليست حالات استثنائية شاذة مستهجنة، حتى إن كانت متفاوتة في المستوى، إنما حالة ثقافية إدارية واجتماعية يعززها النظام الإداري والمالي المتصف بالتعقيد البيروقراطي والمركزية الشديدة. وعندما يكون الفساد الإداري إلى حد كبير مؤسسيا، بسبب غياب الرقابة والمساءلة والمحاسبة المجتمعية عبر مجالس نيابية، إضافة إلى ضبابية الأنظمة، سيكون من غير المجدي والمنطقي التعامل مع ظواهره دون تناول الأسباب الجوهرية والغوص في جذور المشكلة.
من أهم الأسباب المفضية للفساد هو عدم تطبيق الأنظمة بعدالة وحيادية ليكون الاستثناء هو القاعدة، ويعود ذلك في الغالب إلى سيطرة العلاقات الشخصية في التعاملات الحكومية. فما زالت قيمة الفزعة والمساعدة للأقارب والمعارف هي السائدة على حساب المهنية والجدارة والجودة. الكثيرون يرون أنهم فوق النظام، وأنهم يحق لهم ما لا يحق لغيرهم، وأن الوقوف في الصف أمر فيه تقليل من شأنهم وتعد على كرامتهم! وترجمة ذلك سلوكياً هي أخذ حق الآخرين إما منصبا أو خدمة أو مناقصة. وعندما، على سبيل المثال، يعين الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب يعزز ذلك تفشي ظاهرة الفساد، ليس أن الشخص ذاته سيقوم بمداراة من سعى إلى تعيينه بتجاوز الأنظمة من أجله فحسب، لكن أيضا في عدم قدرته على توفير الخدمات بكفاءة وفاعلية ليكون هناك شح في الخدمات المميزة، ما يضطر الناس إلى السعي للحصول عليها بشتى الطرق نظامية كانت أو غير نظامية. هكذا تتجذر قيم الفساد في المجتمع وتنشأ ثقافة الطرق الملتوية والخداع والكذب والتحايل على النظام اعتماداً على مبدأ ''إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب''. وعندما يتلبس العموم شعور بأن تحصيل الخدمة سواء بوجه حق أو بغير وجه حق لا يكون إلا بواسطة، يكون المجتمع أقل قدرة على معالجة مشكلاته ولن يستطيع إلى التطور والتقدم سبيلا.
الخروج من هذا الوضع يتطلب توسيع دائرة تكافؤ الفرص والعدل والمساواة على أساس من معايير الجدارة والاستحقاق. هذه القيم لا يمكن تحقيقها إلا من خلال الشفافية والمحاسبة والمساءلة، وهي لا تتأتي إلا بإصلاح إداري مبني على الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بحيث تراقب الواحدة الأخرى، ولكيلا تستأثر جهة بعينها بالسلطات على حساب الجهات الأخرى، كما هو واقع الحال في ممارسة البيروقراطيات العامة لسلطتي التنفيذ والتشريع دون رقابة من مجالس تشريعية. هذا الوضع أدى إلى احتكار البيروقراطيين لسلطة صناعة القرار العام دون رقابة مجتمعية، وهو بدوره أفضى بشكل أو بآخر إلى استشراء الفساد سواء كان مباشرا من رشوة واستخدام السلطة لتحقيق مصالح شخصية، أو غير المباشر في تدني مستوى الخدمات العامة وتعثر المشاريع وسوء التنفيذ. إن تمركز السلطة في البيروقراطيات العامة جعل تقييم الأداء ينصب على الإجراءات الداخلية دون ربطه بالنتيجة النهائية، وهذا بطبيعة الحال جعل البيروقراطيين في حصانة من المساءلة والإفلات من المسؤولية في حالات الإخفاق، لأن حجتهم أنه تم تنفيذ الإجراءات المطلوبة على الأقل ورقيا. وهكذا يستمرأ الفساد ويكون مؤسسيا وجزءا من الثقافة التنظيمية، إذ يكفي أن تُستوفى الشروط الورقية وإن كانت خلاف الواقع. وهو السبب وراء مظاهر الفساد الإداري، فبعض المشاريع تنتفخ تكاليفها أضعاف تكلفتها الحقيقية، وهناك بدلات تصرف بغير حق، والدوام في كثير من الأحيان يتقلص حتى بالكاد يصل إلى ست ساعات، وتقويم أداء الموظفين في معظمه يساوي بين الغث والسمين، والإنتاجية ليست في قاموس الإدارات الحكومية. صحيح هناك من يعمل بمبادرة شخصية بكفاءة وجدية، لكن هذا لا يكفي لتحقيق الإنتاجية، فالإنتاجية تتعلق بالعمل الجماعي والتناسق في الأداء، وهذا ما تفتقده بيئة العمل.
في ظل العمل الروتيني والركود الإداري، وانخفاض الإنتاجية، والتركيز على الإجراءات وليس التأثير النهائي، وتداخل الأدوار والازدواجية بين الأجهزة الحكومية، والعمل بميزانية البنود، لن يكون باستطاعة الأجهزة الرقابية المتعددة مهما بلغت من مهنية ودقة استكشاف الممارسات الخاطئة، لأنها خفية مبنية داخل العمل المؤسسي وجزء من طبيعته. كما أن الرقابة لا تزال تمارس من قبل بيروقراطيات تنطلق من العقلية نفسها ومن النهج الإداري ذاته، فهي تهتم بالمظاهر الشكلية الإجرائية. فما تقوم به الأجهزة الرقابية، في واقع الأمر، هو عمليات ترميم وتجميل والاجتهاد في اصطياد الأخطاء الصغيرة وتفويت الأخطاء الكبيرة. هذه هي المشكلة الأزلية التي ستُبقي الفساد وتصعب من اجتثاثه من جذوره، فالبيروقراطيات لا تستطيع أن تراقب بيروقراطيات أخرى .. وإلا كيف يبرر وجود الفساد الإداري على الرغم من تعدد الجهات المعنية بمراقبته؟!
ما نحتاج إليه لمواجهة الفساد الإداري هو فصل السلطات وتحقيق مبدأ المراقبة المتوازنة فيما بينها. وعلى أن السلطتين التنفيذية والقضائية أخذت النصيب الأوفر من الصلاحيات وتمتع بالاستقلالية في صنع القرار، إلا أن سلطة التشريع ما زالت تعاني ضعفا كبيرا في الصلاحيات وتقوم بأدوار ضيقة جداً. فالمجالس النيابية ممثلة في مجلس الشورى ومجالس المناطق والمجالس المحلية تحتاج إلى تمكينها، بمنحها صلاحيات التشريع والاستقلال الإداري والمالي، وحق صياغة السياسات العامة، وتوجيه البيروقراطيات حسبما تراه، ومتابعة أدائها ومحاسبتها. من ناحية أخرى، يلزم التخفيف من المركزية ونقل سلطات أكبر لمجالس المناطق والمجالس المحلية والبلدية تتناسب مع مسؤولياتها والأدوار المنوطة بها، ومنحها ميزانيات ترتكز على الأهداف والخطط والبرامج ومعايير مهنية وإطار زمني للتنفيذ. هذا جميعه يتطلب التحول من النظرة الضيقة والسلبية في التصدي للفساد الإداري إلى نظرة أوسع وأعمق وأكثر إيجابية، ومبادرة نحو إصلاح إداري يستهدف إعادة صياغة النظام الإداري والمالي العام، يضمن تحقيق مستوى أعلى من الكفاءة والفاعلية والجودة والنزاهة والشفافية والعدالة.