استمرار الميل نحو خفض الإيرادات والنفقات في موازنة 2012
تم التطرق في المقالة السابقة إلى بعض الملاحظات حول موازنة عام 1433/1434هـ (2012)، وفيما يلي المزيد من الملاحظات الإضافية حول الموازنة.
1- خفض تقدير الإيرادات
يتكرر كل عام إصدار بيانات إنفاق وإيراد في الموازنات تقل عن الصرف والإيراد الفعلي للعام السابق. ولا تختلف تقديرات هذه السنة عن الأعوام السابقة من ناحية تعمد معدوها خفض مستوى الإيرادات المتوقعة، حيث افترض معدو الموازنة بأن إجمالي إيرادات العام القادم سيصل إلى 702 مليار ريال، وهذا الافتراض بني على أساس توقع متوسط أسعار نفط سنوي تزيد قليلاً على 60 دولاراً للبرميل. ولا أعتقد أن أكثر المتحفظين حول أسعار النفط يرى تدني متوسط أسعار النفط في عام 2012 إلى هذا المستوى، حيث تشير أكثر التوقعات تحفظاً حول أسعار النفط إلى أن أسعاره لن تقل عن 80 دولاراً للبرميل في عام 2012. وتميل التوقعات المتزنة إلى أن أسعار نفط ستحوم حول مستوى 100 دولار للبرميل في عام 2012. وحسب المعطيات الحالية والمعلومات الاقتصادية عن العرض والطلب المتوقع على النفط في عام 2012، فإن توقعات معدي الموازنة عن إجمالي الإيرادات تقل عما ينبغي بنحو 300 مليار ريال، وتقل عن أكثر التوقعات تحفظاً بنحو 150 مليار ريال. صحيح أن المستقبل في يد الله- سبحانه وتعالى، ولكننا كبشر نبذل جهدنا في توقع ما يحصل في المستقبل بناءً على المعطيات والمعلومات والإمكانات المتوافرة لدينا، ونحاول قدر الإمكان جعل التقديرات منطقية ومقبولة ومبنية على أسس سليمة. ويبدو من خلال المعطيات والمعلومات المتوافرة حالياً أن توقعات الموازنة حول إجمالي الإيرادات متحيزة نحو الانخفاض وغير منطقية.
2- خفض تقديرات الإنفاق
حددت النفقات العامة في الموازنة الجديدة لعام 2012 بنحو 690 مليار ريال، وهذا المستوى من الإنفاق يقل عن مستوى الإنفاق الفعلي في عام 2011 بما لا يقل عن 14.2 في المائة. ولم تشهد ميزانيات المملكة خلال الأعوام الماضية تراجعاً في الإنفاق الفعلي عن الأعوام السابقة. وتشهد الميزانيات مع مرور الزمن زيادات مستمرة بسبب الاستحداث المستمر لبرامج إنفاق جديدة وتزايد الالتزامات الحكومية لعدد متزايد من السكان. ومن المعروف أن مخصصات الرواتب تتصاعد مع ارتفاع عدد الموظفين وتصاعد تكاليف المعيشة، كما يقود التزايد السكاني إلى رفع مخصصات المشاريع والصيانة والدعم والتحويلات الاجتماعية. وقد ترتب على القرارات الملكية الأخيرة التي صدرت في بداية عام 2011 قفزة كبيرة في مستويات الإنفاق الحكومي.
وتظهر البيانات التقديرية للإنفاق في عام 2012 ميلا واضحاً نحو خفضه عن الإنفاق الفعلي المتوقع. وقد تراوحت نسب خفض تقديرات الإنفاق عما أنفق فعلياً ما بين 15.6 في المائة وحتى 40.5 في المائة من الإنفاق التقديري في السنوات الماضية. ويمكن من خلال هذه النسب تقدير الإنفاق الفعلي لعام 2012. ونظراً للإنفاق المرتفع خلال العام الماضي، فإن نسبة الزيادة الفعلية للإنفاق على المتوقع في الميزانية ستكون في الحدود الدنيا من معدلات الزيادة السنوية. وبناءً عليه، فإن إجمالي الإنفاق خلال 2012 لن يقل عن 800 مليار ريال.
من جهة أخرى، تؤكد بيانات الموازنة نفسها ارتفاع الإنفاق الفعلي عن المعلن، حيث تم تحويل 250 مليار ريال من فائض عام 2011 إلى حساب خاص مفتوح للصرف على مشاريع الإسكان خلال خمس سنوات مما يشير إلى أن الإنفاق على مشاريع الإسكان سيأتي من خارج الميزانية. ولهذا قد يشهد عام 2012 صرفا بنحو 50 مليار ريال على مشاريع الإسكان. كما تم تكليف وزارة المالية بتحويل تكاليف مشروع قطار الحرمين إلى صندوق الاستثمارات العامة من فائض عام 2011، وهذا سيضيف نحو 7.2 مليار ريال إلى الإنفاق الحكومي في عام 2012. ويتضح من خلال بيان الموازنة فقط أن إجمالي نفقات الدولة في عام 2012 سيبلغ نحو 747.2 مليار ريال. ومن المتوقع تجاوز الإنفاق على عدد من البنود المخصصات المعتمدة لها، مما سيضيف مبالغ إضافية إلى الإنفاق الكلي ويقفز فيه إلى مستويات أعلى من المخطط له.
3- خفض الفائض
توقعت الموازنة أن يصل الفائض إلى 12 مليار ريال في عام 2012، وجاء هذا التوقع المنخفض للفائض بسبب التحفظ الكبير في تقدير الإيرادات المتوقعة، الذي فاق التحفظ في تقدير النفقات. وسيتجاوز حجم الفائض المتوقع هذا المستوى ـــ إن شاء الله ـــ خلال العام الجاري 2012. وتشير أكثر التوقعات اتزانا إلى أن الفائض المالي في عام 2012 قد يصل إلى 20 ضعف المعلن عنه في الموازنة، وقد ينخفض في حالة تراجع أسعار النفط ونمو الإنفاق إلى نحو 50 أو 60 مليار ريال.
إن التوقعات الإيجابية بخصوص إيرادات النفط، التي تشكل معظم إيرادات الدولة خلال عام 2012 لا تعني تحققها بشكل أكيد، حيث قد تطرأ أحداث عالمية ـــ لا سمح الله ـــ تعوق أو تقلل من الطلب على النفط أو ترفع المعروض منه. فالوحدة النقدية الأوروبية تواجه أزمة مالية معقدة قد تتطور إلى انهيار لعملتها الموحدة، الذي قد يقود إلى تراجع التعاون الاقتصادي فيما بين دولها. وهذا الانهيار قد يتسبب في أزمة مالية عالمية تقود إلى تراجع في الطلب على النفط بدلاً من الزيادة الضعيفة المتوقعة هذا العام. أما من جهة عرض النفط فهناك عودة قوية لإنتاج النفط الليبي، كما بلغ الإنتاج الروسي مستويات كبيرة، وقد تنجح بلدان أخرى في رفع إنتاجها، ولهذا قد يرتفع المعروض العالمي من النفط فوق المتوقع، وهذا قد يضع ضغوطاً على الأسعار، ولكن من المستبعد تراجع أسعار النفط إلى مستويات تقل عن 80 دولاراً للبرميل في عام 2012.