الميزانية العامة .. ضرورة الربط بين المخصصات والتأثير النهائي
تؤكد المخصصات الضخمة للميزانية العامة حرص الدولة وسعيها إلى تحقيق رفاهية المواطن، وتعزيز بناء الإنسان السعودي ورفع مستواه المعيشي. ولن أخوض في تحليل الأولويات التي عكستها الميزانية، التي يأتي في مقدمتها قطاعا التعليم والصحة، وهما مرتكزان أساسيان في تنمية الإنسان، وما خصص لقطاعات البلديات والنقل والطرق والإسكان كدليل على المضي قدما في الاستثمار في بناء البنى التحتية. وفي ظل هذا النماء والخير العميم ومع الاعتراف بالنوايا الصادقة والمساعي الحثيثة المبذولة من قبل الدولة إلا أن من المهم جدا ألا نتوقف كثيرا عند المخصصات المالية كمدخلات فقط تبهرنا الأرقام الكبيرة وكأنما يكفي أن نعلم بما خصص دون التساؤل عن كيفية تحقيق الأثر المطلوب لهذه الميزانية. إن الميزانية من الناحية النظرية المثالية خطة رقمية ونظام مستمر ومتكامل تعتمد على معايير اقتصادية واجتماعية تنموية تلبي احتياجات المناطق وتستجيب لمطالب المواطنين. فالميزانية يفترض ألا تقتصر على تخصيص الموارد وتوزيعها على القطاعات الخدمية المختلفة ومن ثم تنفيذها بيروقراطيا من خلال التركيز على الإجراءات دون تقييم الأداء والتأثير النهائي. هذا النهج البيروقراطي في صياغة وتطبيق الميزانية ربما كان أهم معوق لتحقيق إنجازات تتساوى مع مستوى الإنفاق الحكومي السخي.
إن من الخطأ النظر للإنفاق الحكومي نظرة ضيقة لتحقيق أهداف محددة ومباشرة، إنما يفترض صياغتها كسياسات تحمل في طياتها حزمة من المقاصد والغايات المتعددة. على سبيل المثال توفير المساكن عبر بناء نصف مليون وحدة سكانية أمر مهم، وهو هدف مباشر يعالج مشكلة الإسكان، لكن الأهم أن يحقق هذا المشروع أهدافا أخرى ويعالج مشكلات عدة مثل البطالة وإعادة توزيع الدخل بحيث تتاح الفرصة لجميع المواطنين للاستفادة من الإنفاق الحكومي. وهنا تأتي أهمية الحديث عن آليات تنفيذ الميزانية عبر إنشاء شركات حكومية للبناء والتشييد على غرار شركات سابك بحيث تكون أكثر قدرة على استيعاب الباحثين عن العمل وبأجور مرتفعة ومهنية عالية. كما يمكن طرح أسهمها للاكتتاب العام ليستفيد الجميع من أرباحها. هكذا يتحقق إعادة توزيع الدخل ويستفيد جميع المواطنين من هذا السخاء الحكومي بدلا من استئثار أصحاب رؤوس الأموال والشركات، التي جل عامليها من الأجانب، الثقب الكبير في الاقتصاد الوطني ومكان تسرب الأموال التي تضخها الدولة إلى الخارج. هذا هو السبيل الوحيد للتصدي للمشكلة الأزلية إنفاق سخي وتأثير قليل في التخلي عن النظرة الضيقة في معالجة القضايا والمشكلات الوطنية إلى إطار عام بمجموعة من السياسات تكون بمنزلة معالم تقود الإنفاق الحكومي وتوجهه. من بين تلك السياسات، إضافة إلى توزيع الدخل والتقليل من البطالة، تنويع القاعدة الاقتصادية وهذا أمر ليس بخفي، بل تم تبنيه منذ الخطة الخمسية الأولى في 1970، إلا أننا لم نحرز تقدما كبيرا في هذا الاتجاه وما زال الاعتماد على قطاع النفط ومنتجاته هو المسيطر كمصدر أساسي للدخل الوطني. هناك فرصة مواتية لتطوير قطاعات اقتصادية واعدة مثل السياحة والصناعات التحويلية إلا أنه في ظل التفكير البيروقراطي والتشرذم الإداري والتخطيط القطاعي وغياب استراتيجية وطنية موحدة لن نستطيع النهوض بهذه القطاعات الحيوية والتفكير في وضع سيناريوهات لما بعد النفط.
إن الإنفاق الحكومي يتطلب سياسات تربط المدخلات بالمخرجات ومبنية على التأثير النهائي ومؤشرات أداء يمكن من خلالها قياس النتيجة وليس فقط الناتج. إن تطوير عمليات تنفيذ الميزانية وتحقيق التأثير النهائي أمران متلازمان. فمن جهة يلزم تطوير النظام المالي الحكومي الذي ما زال يعتمد على ميزانية البنود وإجراءات لا ترتبط بالأداء ويفتقد بذلك القدرة على معرفة التأثير النهائي وهل أهداف الميزانية تحققت فعليا أم فقط شكليا؟ من جهة أخرى، سيكون الاعتماد على النتائج دون النتيجة مضللا ويعطي تصورا خاطئا، فعلى سبيل المثال لا يكفي أن نحصي عدد المدارس التي تم بناؤها ولا حتى تطوير المناهج، فالمهم جودة التعليم ومستوى الطلاب المعرفي والمهاري بما في ذلك قدرتهم على التفكير النقدي والتحليل واستكشاف وفهم ما يدور حولهم والحوار وإبداء الرأي. وهذا ينسحب على جميع المشاريع والخدمات الحكومية خاصة ذات العلاقة المباشرة بالجمهور مثل الخدمات الصحية والبلدية وغيرها.
إن الإنفاق الحكومي بأسلوبه الحالي توطين للشركات الأجنبية ودعم للأكثر حظا اقتصاديا بدلا من أن يكون منطلقه توطين وتوفير الوظائف للشباب الباحثين عن العمل. فالمستفيد الأول والأكبر هو رجال الأعمال بدعوى منح القطاع الخاص دورا أكبر في الاقتصاد الوطني مع أن ما يقوم به القطاع الخاص في الغالب هو تنفيذ المشروعات الحكومية وليس مخاطرة استثمارية ومبادرات ذاتية لإنشاء وتطوير منتجات وخدمات جديدة تعتمد على صناعات تحويلية مبتكرة تضيف قيمة للاقتصاد. التساؤل هنا: ماذا قدم القطاع الخاص للاقتصاد الوطني في مقابل الدعم السخي الذي يحظى به من الدولة؟ وما الاستفادة التي يجنيها المواطن العادي والأقل حظا من تطوير القطاع الخاص؟ ربما يكون مستوى التضخم والبطالة المرتفع وتدني المساهمة في الخدمة الاجتماعية والتنمية المحلية تشير إلى سلبية القطاع الخاص.
إن الأرقام الكبيرة للميزانية ترفع سقف التوقعات لدى المواطن، لكنه يفاجأ بأنه لم يحظ بوافر النصيب منها بشكل مباشر، خاصة في مناطق الأطراف، وهنا تبرز قضية على درجة كبيرة من الأهمية ولها تداعيات اقتصادية وأمنية وعمرانية، وهي التنمية المتوازنة، فتلك المناطق ما زالت تعاني انخفاض مستوى التنمية مقارنة بباقي المناطق، وهو أمر يستحق الالتفات إليه وجعله إحدى الأولويات عند صياغة الميزانية. لقد حان الوقت لأن تكون الميزانية استثمارية في جوهرها وليس من أجل الاستهلاك، وأن يقاس تأثيرها نسبة إلى مستوى معيشة الأفراد وأن تنفذ بأسلوب يضمن الكفاءة والفاعلية والجودة والاستجابة والعدالة لتحقق تطلعات القيادة السياسية وتعزز الأمن والأمان.