هل يتحول الربيع العربي إلى خريف اقتصادي؟
عندما قامت ثورات الربيع العربي، بصفة خاصة في تونس ومصر، كانت أبرز المسببات للانتفاضات الشعبية ضد الحكام في هذه الدول هي الضغوط الاقتصادية الشديدة التي يرزح تحتها السواد الأعظم من الناس في ظل مناخ سياسي يتسم بالفساد الشديد. وكانت السيناريوهات التي تتناول مستقبل دول الربيع العربي تؤكد أن ما يحدث هو تحول نحو الأفضل سواء من الناحية السياسية أو من الناحية الاقتصادية، نتيجة الكفاءة المتوقعة في توجيه الموارد واستغلالها لمصلحة الجمع الأعظم من الناس في مناخ يتسم بالشفافية والمساءلة، وفي ظل توزيع أكثر عدلا للدخل وفرص أكثر تكافؤا للجميع.
هذه السيناريوهات المتوقعة يقف أمامها اليوم العديد من العقبات، والصورة في هذه الدول تبدو اليوم قاتمة بعض الشيء. فالأخبار التي تأتينا من دول الربيع العربي توحي بأن الربيع العربي قد يتحول إلى كارثة اقتصادية تلحق بالدول التي يلفها هذا الربيع حاليا. ذلك أن الضغوط تتزايد في هذه الدول على نحو واضح بسبب تراجع مؤشرات النمو في القطاعات الاقتصادية المختلفة، بصفة خاصة الرائدة منها، وانفجار العجز في المالية العامة بصورة غير مسبوقة، فضلا عن تراجع احتياطيات النقد الأجنبي إلى مستويات تثير المخاوف. على سبيل المثال يشير التدهور السريع في احتياطيات النقد الأجنبي للبنك المركزي المصري إلى أن مصر ربما تكون مقدمة على أزمة سيولة حادة في المستقبل قد تضطرها إلى التوقف عن سداد التزاماتها إلى الخارج، أو ما يعد إفلاسا من الناحية الفنية، وقد يصاحب هذه الأوضاع تدهور قيمة الجنيه المصري وذلك نتيجة استنزاف احتياطيات النقد الأجنبي؛ خط الدفاع الأول عن الجنيه.
الوضع لا يختلف في تونس بشكل كبير عن الحالة المصرية من الناحية الاقتصادية، وإن كانت الأوضاع السياسية هناك أكثر هدوءا أو أكثر استقرارا، ربما للفروق في الحجم السكاني، أو ربما لأن النظام السابق في تونس قد تم اقتلاعه من جذوره، بينما لا يزال على رأس السلطة في مصر بعض مخلفات النظام السابق ممثلة في المجلس العسكري، الذي ينظر إليه الثوار على أنه أكبر دليل على أن الثورة لم تنته بعد، أو ربما بسبب ما يحاك لمصر في الظلام من مؤامرات لضرب استقرارها والحيلولة دون نقل السلطة بشكل سلس إلى سلطة مدنية منتخبة، إلى آخر هذه التفسيرات للأوضاع الحالية في مصر. وبغض النظر عن تلك التفسيرات، فإن الربيع العربي لا شك له تكلفته المالية الضخمة، بسبب عدم توافق تطلعات الجماهير التي عاشت لفترات طويلة من الزمن في أوضاع اقتصادية سيئة مع إمكانات الدولة وقدرتها على استيفاء استحقاقات هذه التطلعات في الوقت الحالي، حيث يأتي الربيع العربي في ظروف غير مناسبة تماما لهذه الدول من الناحية الاقتصادية والمالية.
المشكلات الاقتصادية لدول الربيع العربي ثلاثية الأبعاد:
ففي البعد الأول تواجه هذه الدول تراجعا واضحا في معدلات النمو ومن ثم في إيراداتها العامة، في الوقت الذي تميل فيه تكاليف المعيشة نحو الارتفاع لأسباب كثيرة، منها قيود العرض المصاحبة لظروف الثورة، وحرص الحكومات الجديدة على رفع الحد الأدنى للأجور دون أن يصاحب ذلك نمو مماثل في الناتج المحلي.
البعد الثاني هو العجز الكبير في المالية العامة لدول الربيع العربي بسبب تزايد الإنفاق العام الناجم عن حرص الحكومات على استيفاء الاحتياجات الأساسية للسكان وتحسين مستوياتها، في الوقت الذي تميل فيه الإيرادات العامة نحو الانخفاض بسبب تراجع معدلات النمو وانخفاض قدرة الممولين على دفع الضرائب، ويتسبب العجز المالي الحالي في ارتفاع الدين العام المحلي إلى مستويات غير مستدامة، وإلى حد ما الدين الخارجي.
البعد الثالث وهو التراجع الكبير في موارد النقد الأجنبي لهذه الدول، واستنزاف احتياطياتها منه نتيجة لخروج رأس المال وتراجع موارد النقد الأجنبي التقليدية بصفة خاصة عوائد السياحة، فضلا عن توقف تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة نظرا للظروف السياسية غير الموائمة. على سبيل المثال تتعرض موارد مصر الرئيسة من النقد الأجنبي حاليا لضربات حادة، خصوصا صادراتها السلعية وإيراداتها من السياحة، نظرا للتراجع الكبير في أعداد السائحين بسبب عدم الاستقرار السياسي والأمني الذي تتعرض له البلاد حاليا. فمنذ بدء الثورة حتى الآن تراجع الاحتياطي المصري من النقد الأجنبي بنحو 19 مليار دولارا نتيجة لخروج رؤوس أموال أجنبية بمقدار 8.8 مليار دولار، ودفع 4.9 مليار دولار لخدمة الديون الخارجية المصرية (فوائد وأقساط سداد)، وتحويل 2.6 مليار من قطاع البترول ودفع 2.6 مليار لاستيراد السلع التموينية.
لحسن الحظ أن موردين أساسيين للنقد الأجنبي وهما (على التوالي من حيث الأهمية) تحويلات المصريين العاملين في الخارج وإيرادات رسوم العبور في قناة السويس هما من المصادر شبه المستقرة لتدفقات النقد الأجنبي، التي من المنتظر أن تشهد ارتفاعا في المرحلة القادمة. غير أن أفضل التقديرات لهذين الموردين تدور حاليا حول نحو 17 مليار دولار، وهو مستوى لا يتوافق مع الاحتياجات الضخمة لمصر من النقد الأجنبي في المرحلة الحالية.
بين هذه الأبعاد الثلاثة نجد أن استيفاء الاحتياجات الأساسية للجماهير من رفع في مستويات الأجور وزيادات في مستويات المعاشات التقاعدية ورفع لمخصصات الدعم الحكومي للسلع والخدمات المختلفة التي تقدمها الدولة، والرغبة في تحسين مستويات الخدمات التي تؤديها المؤسسات العامة، سواء الإنتاجية أو الخدمية، يحتل أولوية أولى لدى صانع السياسة الاقتصادية في مرحلة ما بعد الثورة، حتى يشعر المواطن بأن هناك تحسنا في أوضاعه نتيجة لها، وهو ما يرفع من الإنفاق العام لتلك الدول على نحو غير مسبوق. على سبيل المثال قدر العجز المبدئي للميزانية العامة المصرية في عام 2012 بـ 134 مليار جنيه (22 مليار دولار تقريبا)، غير أن التقديرات الجديدة تصل بهذا العجز إلى 182 مليار جنيه (30 مليار دولار) وهو عجز تنوء إمكانات الدولة عن تحمله على المدى الطويل.
للتعامل مع هذه الفجوة التمويلية الضخمة تفكر مصر حاليا في فرض ضرائب جديدة أو توسيع نطاق الضرائب القائمة بما في ذلك الضرائب على المستثمرين، وتعديل الضرائب الجمركية بما لا يخل بالتزامات مصر نحو منظمة التجارة العالمية، وهي جميعها إجراءات انكماشية لا تساعد الاقتصاد الوطني في مثل هذه الظروف وستؤثر سلبا في معدلات النمو المتوقعة، ناهيك عن ضعف حصيلتها المرتقبة في ظل الظروف الحالية وأخذا في الاعتبار درجة كفاءة الإدارة الضريبية في التحصيل.
في رأيي أنه على الرغم من إعلان الحكومة المصرية أنها ستقوم بتمويل جانب كبير من هذا العجز من خلال الاقتراض الخارجي لما يراوح بين 10 و12 مليار دولار، إلا أن هذه السيناريو تحوم حوله العديد من الشكوك لعل أهمها توقف تدفقات المساعدات إلى الاقتصاد المصري بعد الثورة بصورة شبه تامة، كذلك فإن هناك نوعا من التباطؤ من جانب المؤسسات الدولية والجهات المتعددة الأطراف التي وعدت بإقراض مصر في إبرام هذه القروض، من ناحية ثالثة فإن انخفاض التصنيف الائتماني لمصر من قبل مؤسسات التصنيف الائتماني العالمية مرات عدة بعد الثورة إلى مستويات متدنية نتيجة لتردي الأوضاع السياسية التي تتفاقم يوما بعد الآخر تحت دوي هدير الجماهير في الميادين الرئيسة في مصر، التي على ما يبدو أنها غير مبالية بمآل الاقتصاد المصري وأوضاعه المتردية حاليا، يؤدي إلى ارتفاع علاوة المخاطرة على معدلات الفائدة التي ستصدر بها السندات المصرية، ويجعل من خدمة هذه الديون الجديدة مسألة ذات تكلفة عالية للاقتصاد المصري. لذلك أتوقع أن يتم تمويل الجانب الأكبر من هذه المستويات المرتفعة للعجز من خلال السندات المحلية، وهو ما سيؤدي إلى رفع الدين المحلى إلى مستويات كبيرة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، ويجعل معدل خدمة هذا الدين إلى الناتج أعلى من معدل النمو الحقيقي في الناتج المحلي، الأمر الذي يجعل الدين العام غير مستدام.
الخلاصة هي أنه حتى هذه اللحظة فإن الربيع العربي، على الرغم من أنه قضى على أنظمة ديكتاتورية ذات سمعة سيئة، وفتح المجال على مصراعيه أمام الخيارات الحرة للشعوب حول طبيعة وكنه من سيحكمونها، إلا أن تطورات الأوضاع على الأرض حتى الآن لا تبشر بالخير، وأن الربيع العربي قد يمر بخريف اقتصادي طويل قبل أن تستقر الأوضاع وتتحسن قدرة تلك الدول على النمو والانطلاق نحو مستقبل جديد.