بعض الملاحظات على بيان الموازنة

تصدر وزارة المالية عند إعلان كل ميزانية بيانا عن التطورات المالية في العام الماضي والمتوقعة في العام الجديد، كما يتم التطرق إلى أهم البيانات الاقتصادية للعام الماضي.

ويعتبر بيان الموازنة من أهم الإصدارات الرسمية عن السياسة المالية، بل أهمها على الإطلاق؛ ولهذا يأتي متخما بالبيانات والمعلومات. ويترقب المهتمون ونسبة كبيرة من السكان بيانات الموازنة التي تحمل الكثير من الخير لهذه البلاد وساكنيها. وقبل البدء في أي نقاش حول بيان الموازنة لعام 2012 يجب إيضاح الفرق بين عبارتي الميزانية والموازنة لعموم القراء، حيث يطلق لفظ الموازنة على خطة عمل إنفاق الدولة أو المنشأة قبل البدء بتنفيذها، بينما الميزانية هي الموقف المالي للدولة أو المنشأة بعد انتهاء العمليات المالية عند تاريخ معين.

وأصدرت وزارة المالية بيانا حول موازنة الدولة لعام 2012، وذلك بالتزامن مع صدور الموازنة العامة للدولة. وتضمن البيان الخطوط العريضة لموازنة الدولة لعام 2012 وأهم التطورات المتعلقة بميزانية 2011 والاقتصاد السعودي. وتحدث البيان عن النواحي الإيجابية التي مر بها الإنفاق الحكومي والاقتصاد السعودي خلال عام 2011 والمتوقع حدوثها في عام 2012. وأثنى معظم الكتاب على ما جاء في الموازنة والمعلومات التي وردت في بيان الموازنة. وفي هذه المناسبة فإن الثناء أو الإطراء وحده لا يخدم المصلحة العامة كثيرا ولا يخدم متخذي القرارات ومصدري البيانات؛ ولهذا أعتقد أنه ينبغي الحد من كثرة المدح والإطراء والعمل على تفحص البيانات والأرقام التي وردت في الموازنة وبيان وزارة المالية وإبداء الملاحظات البناءة والرأي المحايد الهادف لرفع أداء الميزانية وجعلها أكثر كفاءة. وفي هذا السياق، أود أن أورد بعض الملاحظات حول بيان وزارة المالية عن الموازنة لعام 2012م، التي منها:
1- التسمية
يلاحظ تسمية خطة الدولة المالية للعام القادم 2012 بالميزانية، لكن من ناحية الدقة يجب تسميتها الموازنة.
2- التقليل من الإنفاق وتضخيم الفائض
ذكر بيان وزارة المالية أن المصروفات العامة الفعلية المقدرة للعام المالي 1432/1433هـ (2011) بلغت 804.0 مليارات ريال. كما ورد أن هذه المصروفات لا تشمل المصروفات المخصصة لمشاريع البرنامج الإضافي الممولة من فائض إيراد الميزانية (الميزانيات السابقة على ما يبدو) والمقدرة في نهاية العام الحالي بنحو 11.0 مليار ريال والمسحوبة من الحسابات الخاصة المفتوحة لدى مؤسسة النقد العربي السعودي. ويفهم من هذا أن مبلغ الـ11 مليار ريال أنفقت بشكل فعلي في عام 2011 إلا أنها لم تدرج ضمن إجمالي إنفاق الميزانية في عام 2011. ولا يعتبر هذا الأسلوب سليما من وجهة النظر الاقتصادية، حيث ينبغي أن يشمل الإنفاق الحكومي جميع المصروفات في العام المالي سواء كانت من ضمن إيرادات الميزانية في السنة الجارية أو من إيرادات الميزانيات في السنوات الماضية. وقد خصصت مبالغ مالية معينة من فوائض ميزانيات السنوات الماضية وأودعت في حسابات خاصة مفتوحة لدى مؤسسة النقد العربي السعودي وذلك للإنفاق على مشاريع أو جهات معينة. وعدم إنفاق هذه المبالغ في الأعوام السابقة يجعلها من ضمن احتياطات الدولة حتى ولو تم حصر إنفاقها لاحقا على بنود معينة، ولهذا فإن هذه المبالغ تضاف لاحتياطات الحكومة. ونظرا لأن النشاط الاقتصادي يتأثر بالإنفاق الحكومي وقت القيام به وليس وقت تخصيصه، فإن مبلغ الـ11 مليار ريال المنفقة من الحسابات الخاصة المفتوحة عام 2011 تدخل ضمن الإنفاق الحكومي للعام نفسه. وبموجب هذا المنظور الاقتصادي فإن إجمالي ما صرفته الدولة عام 2011 بلغ 815.0 مليار ريال وليس 804.0 مليارات ريال، كما ورد في بيان وزارة المالية.

#2#

من جهةٍ أخرى، يعتبر الإنفاق الإضافي لمبلغ الأحد عشر مليار ريال وبشكل فعلي سحبا من احتياطات الدولة، وإن كان هذا المبلغ مسحوبا من حسابات خاصة مفتوحة لدى مؤسسة النقد العربي السعودي مودعة في الأعوام الماضية ومخصصة للإنفاق على بنود محددة. ويتم في العادة طرح أي سحب من احتياطيات الدولة من فائض الميزانية أو يضاف إلى العجز المالي عند حدوثه. وبهذا فإن بيان وزارة المالية يقلل من حجم الإنفاق الفعلي للدولة خلال عام 2011 بنحو 11.0 مليار ريال، كما أنه يضخم من حجم الفائض المالي للدولة بالمبلغ نفسه. وبناءً على ما سبق فإن إجمالي مصروفات الدولة المقدرة في عام 2011 هو 815 مليار ريال، كما أن الفائض المالي للدولة سيبلغ 295 مليار ريال وليس 306 مليارات ريال، كما ورد في البيان.
3- التضخم أعلى مما ورد في بيان الموازنة
ورد في بيان الموازنة أن التغير في الرقم القياسي لتكاليف المعيشة خلال عام 2011 سيبلغ 4.7 في المائة مقارنة بعام 2010. ومن المستغرب إظهار هذا الرقم على الرغم من كون كل الإحصاءات تشير إلى أن معدل التضخم سيبلغ نحو 5 في المائة لعام 2011. وتتوافر قبل إصدار بيان الموازنة بيانات عن تغير الأرقام القياسية لتكاليف المعيشة لـ11 شهرا الأولى من عام 2011، حيث تظهر بيانات مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات أن التغير في الرقم القياسي لتكاليف المعيشة خلال الـ11 شهرا الأولى من عام 2011 بلغ نحو 4.9 في المائة، مقارنة بفترة الـ11 شهرا الأولى من عام 2010. ويتطلب الحصول على الرقم الوارد في بيان الميزانية تراجعا حادا في الأسعار لا يقل عن 2.3 في المائة خلال كانون الأول (ديسمبر)، وهو من الأمور المستحيل حدوثها في ظل الظروف العادية. ولم يحدث أي تراجع في الأسعار منذ تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2008 عندما تراجع الرقم القياسي بنحو 0.2 في المائة، وحدث هذا التراجع عند بداية الأزمة المالية العالمية، التي أجبرت أسعار كثير من المنتجات على التراجع، بسبب تراجع الطلب العالمي على السلع والخدمات وبسبب تحسن معدلات صرف الدولار إبان الأزمة المالية العالمية. فإذا كانت الأزمة المالية العالمية فشلت في خفض الأسعار بأكثر من 0.2 في المائة فكيف يمكن أن تنخفض الأسعار في شهر واحد بعشرة أضعاف انخفاض تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2008. وسيصدر قريبا الرقم القياسي لتكاليف المعيشة لكانون الأول (ديسمبر) 2011، الذي أتوقع أن يسهم في رفع تكاليف المعيشة (التضخم) في عام 2011 بنحو 5.0 في المائة عن مستوياتها في عام 2010. ولو حصل انخفاض في الرقم القياسي لتكاليف المعيشة لكانون الأول (ديسمبر) 2011 فلن يقل معدل التضخم في أي حالٍ من الأحوال عن 4.9 في المائة في عام 2011.
ويتكرر منذ عامين ذكر بيانات لا تنسجم مع البيانات الشهرية الفعلية التي تصدرها مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات عن معدلات التضخم. ولا أدري كيف يتم إصدار بيانات تضخم تتعارض مع بيانات الرقم القياسي الشهرية المنشورة والمعروفة للجميع؟ وعدم انسجام معدلات التضخم الواردة في بيان الموازنة مع بيانات الرقم القياسي لتكاليف المعيشة يتسبب بتجاهله بالكامل من قبل المختصين والاقتصاديين. وأعتقد أن إيراد رقم منخفض وخاطئ عن التضخم، الذي تتوافر حوله بيانات منشورة، يقلل كثيرا من قيمة هذا البيان، الذي يعتبر من أهم البيانات المالية والاقتصادية التي تصدر سنويا. كما أن إصدار بيانات خاطئة عن متغيرات مهمة مثل التضخم يحرج كبار المسؤولين الذين يقتبسون هذا الرقم عند حديثهم في وسائل الإعلام وسيتسبب تعديله بعد شهر واحد فقط في إحراج أكبر لهؤلاء المسؤولين. والمعضلة الكبرى أن ذكر رقم خاطئ عن التضخم يتكرر في بيانات الموازنة، حيث أورد بيانا الموازنة في نهاية عامي 2009 و2010 تقديرين خاطئين عن التضخم وبالأسلوب نفسه. ومن السهل على معدي بيانات الموازنة تدارك مثل هذه الأخطاء المفضوحة التي تسيء إلى البيان ولا تقنع أيا من المختصين.
وفي وقت متزامن مع صدور الميزانية أصدرت مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات نشرة المؤشرات الإحصائية لعام 2011، حيث تضمنت هذه النشرة الجدول رقم 15 الذي يتطرق إلى بيانات الرقم القياسي لتكاليف العيشة، ويحتوي الجدول البيانات التالية:
وبعد التدقيق في هذه البيانات وجد أن بيانات عام 2010 في الجدول هي لمتوسط الأرقام القياسية للـ12 شهرا المكونة لعام 2010، بينما كانت بيانات عام 2011 في الجدول هي لمتوسط الأرقام القياسية لتكاليف المعيشة لأول 11 شهرا من عام 2011. وقدرت المصلحة تغير الرقم القياسي لتكاليف المعيشة لعام 2011 عن طريق قسمة متوسط الرقم القياسي لأول 11 شهرا من عام 2011 على متوسط الرقم القياسي لجميع أشهر عام 2010 الـ12، وهذا الأسلوب خاطئ، وهو مصدر الخطأ الوارد في بيان الموازنة. حيث لا ينبغي قسمة متوسطات فترات غير متساوية للحصول على التضخم. واستخدام متوسط الأرقام القياسية للأحد عشر الأولى من عام 2011 كتقدير للرقم القياسي لتكاليف المعيشة لكل عام 2011 يفترض أن تبلغ قيمة الرقم القياسي العام لتكاليف المعيشة لكانون الأول (ديسمبر) من عام 2011 نفس متوسط قيمة الأرقام القياسية للـ11 شهرا الأولى من العام نفسه، والذي كان 135.0. وهذا الافتراض لن يحدث إلا في حالة تراجع الأسعار بنحو نسبة 2.7 في المائة في كانون الأول (ديسمبر)، وهو من الأمور المستحيلة كما سبق ذكره. إن من الضروري على مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات تدارك مثل هذه الأخطاء الفنية التي ينبغي ألا تحدث، حيث تقود إلى إصدار بيانات غير سليمة والإساءة إلى مهنية المصلحة. وسيتم التطرق إلى المزيد من الملاحظات حول البيانات الواردة في بيان الموازنة لعام 2012 في المقالة المقبلة الأسبوع المقبل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي