الميزانية العامة.. وتعزيز الرعاية الاجتماعية
تمتعت المملكة خلال الفترة الماضية - ولله الحمد - بزيادة مستمرة في الدخل والإنفاق والميزانية حتى أصبحت عاما بعد عام تحقق أرقاما قياسية انعكست على مناحٍ كثيرة من تخصيص ميزانيات ضخمة للبنية التحتية، وزيادة في الدخل للأفراد، ودعم البرامج المجتمعية، من خلال دعم المؤسسات الاجتماعية فيما يتعلق بدعم مشاريع الإسكان، والتمويل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وبرنامج إعانة الباحثين عن عمل، وبرامج متنوعة بغرض تلبية احتياج المجتمع وتحقيق الرفاهية، وعيش أفضل للمجتمع. من القضايا التي حظيت بالاهتمام مسألة الرعاية الاجتماعية للفئة التي تعد أقل من المتوسطة، إضافة إلى أصحاب الاحتياجات الخاصة، والباحثين عن عمل، وأصحاب الدخل المحدود.
لا شك أن مشاريع الرعاية الاجتماعية لها أهمية كبيرة، ففي الوقت الذي يتحدث المجتمع عن قضايا مهمة مثل زيادة الرواتب، وبدل السكن، وزيادة البدلات في بعض الأعمال والوظائف، ومزيد من استحداث الوظائف الحكومية، والعمل على إيجاد وظائف ودعم استدامتها وتحسين مستوى الدخل فيها في القطاع الخاص، نجد أيضا أهمية كبيرة لبرامج الرعاية الاجتماعية في المجتمع.
الرعاية الاجتماعية للفئة الفقيرة والمحتاجة في المجتمع أمر يوجبه ديننا الحنيف، حيث إنه فرض كفاية في حال إذا ما كان يوجد فئة غنية في المجتمع، ودخل حكومي جيد، وهذا مقتضى تطبيق مفهوم الإيمان الذي يحتم الإحساس بالمسلم ورعاية المحتاج، إضافة إلى أن دعم هذه الفئة ليس على المستوى المادي فقط، بل قد يكون حتى في فرص التعليم والصحة أمر يتيح الاستفادة من هذه الفئة للمشاركة في بناء المجتمع، والانتقال من الطبقة الفقيرة إلى فئة مكتفية ماليا، وبدل من أن تكون عالة على المجتمع جيلا بعد جيل فإن علاج مشكلتها واحتياجها سيؤدي بهذه الفئة إلى أن تكون فاعلة بشكل إيجابي في المجتمع، إضافة إلى مصالح أخرى تتعلق بتحقيق الأمن والرخاء وتوزيع مناسب للثروة في المجتمع.
واقع المشاريع المتعلقة بالرعاية الاجتماعية في المملكة نجد أنها موزعة بين جهات متعددة، منها وزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة العمل، ووزارة الإسكان، وبعض المؤسسات مثل بنك التسليف، وقد يكون هناك برامج أخرى لخدمة الفئة المحتاجة في المجتمع مثل برامج التمويل. وهذا فيه نوع من تشتيت الجهود وتكرار الإجراءات، وجعل بعض المواطنين يحتاج إلى مراجعة جهات كثيرة للتقدم بطلب الإعانة، إضافة إلى أنه قد لا يكون لدى هذه الجهات قاعدة بيانات موحدة للمعلومات التي تتعلق بالمتقدمين لهذه الإعانات، وبناء عليه فإنه قد يكون من المناسب إنشاء مؤسسة عامة للرعاية الاجتماعية على غرار المؤسسة العامة للتقاعد وللتأمينات الاجتماعية، تقدم برنامج متكامل للإعانة الاجتماعية تتضمن برامج الضمان الاجتماعي، وإعانة الباحثين عن العمل، وبرامج التعليم والصحة للأسر الفقيرة، إضافة إلى تمويل مشاريع إسكان للأسر المحتاجة، وأن يكون لدى هذه المؤسسة برنامج لمتابعة هذه الأسر والعمل للتنسيق لتحسين وضعها المعيشي والتحول إلى فئة مكتفية ذاتيا مع الوقت. من الإيجابيات أيضا أن وجود قاعدة بيانات سيساعد في إعداد الدراسات التي يحتاج إليها في تحسين برامج الرعاية الاجتماعية في المجتمع، وتحديد مستوى الاحتياج المناسب والآلية المناسبة لتقديم الإعانات ومقدارها.
من المهم أن تكون هذه البرامج مستمرة ومستديمة، حيث إنه على سبيل المثال نجد أن برنامج إعانة الباحثين عن عمل وبحسب ما ورد عن وزارة العمل، أن مدة صرفه فقط لمدة سنة واحدة، وفي هذه الحالة فإن الإعانة تعالج حاجة الشخص لمدة سنة واحدة فقط، ولكن فيما لو لم يتمكن الشخص من الحصول على وظيفة خلال هذا العام فستبقى المشكلة قائمة.
أما فيما يتعلق بالدخل لهذه البرامج فإنه كما هو الحال اليوم فإن الغالب في دعم برامج الرعاية الاجتماعية هو من خلال الدعم الحكومي، ولكن من الممكن أن تضاف مصادر أخرى مثل الزكاة والتبرعات الخيرية، ومن خلال رسوم لبعض الخدمات، والغرامات لبعض صور المخالفات.
الخلاصة أنه من خلال الدعم الحكومي الذي أصبح يهتم بشكل كبير في هذه المرحلة بالرعاية الاجتماعية من خلال الضمان الاجتماعي، وإعانة الباحثين عن عمل، ومشاريع الإسكان للمواطنين المحتاجين وغيرها من البرامج، فإنه قد يكون من المناسب في هذه المرحلة تحول هذه البرامج إلى جهة واحدة، وأن تكون برامج مستمرة، بهدف إيجاد مركز موحد للمعلومات، وأن يكون هناك خطط لتحسين وضع المحتاجين وتحولهم إلى الاكتفاء.