2012 عام الشك والخوف من المستقبل ولا عزاء للمتأخرين
بشكل عام يشهد العالم من شرقه إلى غربه حركة محمومة وغير مسبوقة ونقاشات كثيرة مشوشة أحيانا يغلبها الخوف من مستقبل، ولعلي هنا ــــ بحكم التخصص ــــ أخص بالذكر مهنة المحاسبة والمرجعة، فماذا الذي يخاف منه العالم والمحاسبون خاصة؟ الإجابة عن هذا السؤال صعبة حاليا ليس بسبب عدم القدرة على دراستها وتحليلها بل لأن العالم يعيش فترة غير اعتيادية من عدم التأكد (شك) في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، وهذا يعم العالم أجمع؛ فمن ديمقراطية بوتين الهشة في أقصى الشرق الأوروبي وحتى فساد السياسيين في الاتحاد الأوروبي نفسه في الوسط وصولا إلى فساد الرأسمالية الأمريكية في أقصى الغرب، ومن الصراع بين الكوريتين عند مشرق الشمس إلى التصارع بين دول الوسط الشرقي ثم العروبة غير المستقرة وغير الواضحة في الشرق الأوسط، مرورا بالشمال الإفريقي وحتى الاقتصاد الهش في وسط القارة اللاتينية، ويبقى صراع الأعراق في إفريقيا وسطها وجنوبها ميزة القرن الماضي الممتدة إلى الحالي. فهل الحراك العالمي باتجاه المحاسبة وشؤونها سببه قلق المحاسبين من حالة عدم التأكد السائدة اليوم أم لأنهم هم سبب هذه الحالة؟
نشأت ظاهرة عدم التأكد التي تصيب الاقتصاد العالمي اليوم ــــ والتي الممكن أن تمتد إلى نهاية النصف الأول من العام المقبل 2012 ــــ من مشكلة فقدان الثقة في التقارير المالية، تلك المشكلة التي بدأت عام 2001 عندما انهارت شركة إنرون بعد صدور تقريرها المالي ومصادقة مكتب المراجعة عليه في الوقت الذي كان يحتوي على الكثير من التغرير بالمستثمرين، لم يقف الأمر هناك بل تم اكتشاف أن ذلك التلاعب طال القوائم المالية للشركة لسنوات عدة سابقة وهكذا انهارت الشركة ومعها مكتب تدقيق الحسابات، وخسر المستثمرون الملايين من الدولارات، وأكثر من 20 ألف موظف لوظائفهم، ثم ما لبث الأمر أن امتد لشركات أخرى أعلنت حدوث عمليات تلاعب ببياناتها المالية سبق أن صادق عليها مراجع الحسابات. حاول المهنيون ومن في دائرتهم امتصاص الغضب بإصدار أكثر القوانين صرامة وجدلا وهو قانون واكسلي. لكن لم تمض فترة حتى بدأت الأسواق المالية تترنح وتنهار مع أزمة الرهن العقاري، ومرة أخرى ظهرت مشكلة التقارير المالية في الصورة، وبدا دورها واضحا في تضخيم قيمة المنازل على غير حقيقتها واللائمة تقع على المحاسبين. كل ذلك وضع العالم أمام شك جوهري في قدرة المراجعين على الحد من تلاعب الإدارة في القوائم المالية. ثم جاءت الأزمة الأوروبية فوق كل ذلك بعاصفة هوجاء لم يكن أحد يتوقعها، لقد جاءت بفاجعة الشك في السياسيين والتقارير المالية للحكومات.
بذهول كبير آفاق العالم مع انكشاف غطاء الأزمة المالية الأوروبية كيف يمكن لحزب ما في دولة أن يتلاعب بتقاريرها المالية، وأن يخفي الديوان ليحصل على المزيد منها أو لمجرد الانضمام لمجموعة معينة أو حتى للحصول على تصنيف عالمي متقدم. فمن المعروف بشكل واسع أن تقارير الحكومات تتمتع بمصداقية أكبر من تلك التي تعدها القطاع الخاص، ولذلك لم يكن أحد في حاجة إلى تعيين مراجعة خارجية لها، وحتى لو قدر ذلك فإنه من الصعب القيام به عمليا. عملت اليونان مثلا على تزويد العالم ببيانات غير دقيقة وغير وافية عن حقيقة مركزها المالي وعن حقيقة العجز في الميزانية وقدرتها على دفع الاستحقاقات حتى تم إسقاط الحزب الحاكم ليحل مكانه حزب آخر واجه الحقيقة القاسية وتحمل أعباء التغيير وقسوة شعبه والعالم، ولم يكن لذلك أن يحدث لولا أن كانت المحاسبة أداة طيعة في يد السياسيين.
وبسبب من كل هذا الوضع المتأزم فعلا والذي خلق مشكلة عدم الثقة في المعلومات المحاسبية أيا كان مصدرها، يجوب العالم اليوم مهنيون وعلماء متخصصون للتسويق لهذه المهنة المهمة من جديد. فلقد جاءت توصيات مجموعة الدول العشرين لتحث الدول نحو تطبيقات محاسبية لم تكن مستساغة سابقا، ومن ذلك تطبيق معايير محاسبية حكومية عالمية الطابع ليتمكن العالم من مقارنة التقارير المالية للدول بعضها بعضا، لكن ذلك الهدف الأسمى لن يتحقق ما لم يتم اعتماد أساس الاستحقاق المحاسبي، وهنا ستظهر جدية العالم في حل المشكلة أو بقائها. فهذا الأمر يتطلب الإفصاح بشكل أفضل عن الديون السيادية، وسيجبر الدول على عرض معلومات أفضل عن الموارد المتاحة ـــ في ظل قلق كبير حول المتبقي منها فعلا ــــ فالعالم يريد أن يعرف ما لهذا اليوم منها وما هو للمستقبل. واليوم يتحدث العالم بشكل غير مسبوق عن المعايير الدولية للمحاسبة وعن نظم عالمية لضبط جودة أداء المراجعين الخارجيين، وستصنف الدول في مرحلة لاحقة بما ستحرزه من تقدم في هذا المجال.
من المهم القول مع انتهاء عام 2011 (عام المفاجآت، عام التويتر والفيس بوك) ومع تباشير العام الجديد 2012، فإن الانغلاق عن العالم أصبح مشكلة في حد ذاتها، وفي المقابل فإن مسايرة الركب العالمي تحتاج إلى الكثير من الجهود المخلصة والصادقة وليس مجرد قراءتها على صفحات الورق الإلكتروني مدعين خصوصية مفرطة، وأننا بمنأى من عواصف التغيير وتأثيراتها. سيلزم متابعة الركب العالمي تطوير جاد، وجريء، وشجاع في النظم والقوانين، فتطبيق أساس الاستحقاق المحاسبي عند إعداد التقارير المالية الحكومية ليس بالأمر اليسير عمليا في دولة لم يزل التدريب في مستوى متدن من اهتمام المؤسسات فيها ولم تزل تستخدم فقط سبعة حسابات رئيسة لإدارة شؤونها المالية.