عن الدقة في بعض تقديرات مؤسسة النقد
تصدر مؤسسة النقد العربي السعودي تقريراً سنوياً عن التطورات التي مر بها الاقتصاد السعودي مع لمحة عابرة عن التطورات الاقتصادية العالمية ومنطقة الخليج العربي. ويبذل معدو التقرير جهوداً كبيرة للخروج بتقرير متكامل عن اقتصاد المملكة. ويتضمن التقرير كماً وفيراً من أحدث المعلومات والبيانات النقدية والمالية والتجارية والنفطية، إضافة إلى عدد من المواضيع الأخرى. وتطرق التقرير السابع والأربعون (لعام 2011) ولأول مرة توقعات عن أهم المتغيرات الاقتصادية لعام 2011، والتي تنبأت بوصول معدل نمو ناتج المملكة المحلي إلى 5.1 في المائة. وجاءت هذه النسبة بسبب توقع نمو الناتج المحلي النفطي بنسبة 4.9 في المائة، وتوقع نمو الناتج غير النفطي بنسبة 5.4 في المائة. كما تضمنت توقعات المؤسسة وصول الفائض في الحساب الجاري لعام 2011 لنحو 378 مليار ريال.
ومع التقدير الكبير للمجهود الذي بذلته المؤسسة في استشراف المتغيرات الاقتصادية الكلية وخصوصاً الناتج المحلي الإجمالي، إلا أني أعتقد أن تقديرات المؤسسة لبعض المتغيرات قد جانبها الصواب ولم تكن دقيقة. فمعدل نمو الناتج المحلي المتوقع الذي أصدرته المؤسسة كان أقل مما يجب، وهذا راجع إلى الخفض الكبير التي افترضته المؤسسة للنمو الحقيقي للناتج النفطي لعام 2011. وقد أدى هذا الخفض إلى تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي وإلى تراجع كبير في الفائضين المالي والحساب الجاري. وشهدت بداية عام 2011 نشوب الأزمة الليبية والتي أدت إلى توقف صادرات النفط الليبية. ونظراً لسياسة المملكة المتزنة وكونها البلد المالك لمعظم الطاقة العالمية الفائضة من الإنتاج النفطي، فقد كان هناك توقع من الأسواق بسد المملكة لمعظم العجز في إمدادات النفط الناتج عن الأزمة الليبية. ولسد العجز في الإمدادات النفطية الليبية وتلبية الطلب المتزايد على النفط كان على المملكة رفع إنتاجها النفطي بنحو مليون برميل يوميا، وقد قامت المملكة وبشكل فعلي برفع إنتاجها بهذه المستويات تقريباً. ولهذا كان من المفترض أن ترفع المؤسسة تقديراتها للإنتاج النفطي بنحو مليون برميل في اليوم لعام 2011 مقارنةً بعام 2010، ولكن المؤسسة خفضت كثيراً من توقعاتها للنمو في إنتاج النفط السعودي، وقدرت الزيادة بنحو نصف ما حدث فعلاً. وكان لسوء تقدير الزيادة في الناتج النفطي أثر كبير على توقعات المؤسسة لمعدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي والفائضين المالي والحساب الجاري. ولو قدرت المؤسسة نمو الناتج النفطي بشكل سليم لارتفع تقدير المؤسسة لمعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بما لا يقل عن 1 في المائة.
وجاءت تقديرات المؤسسة لفائض الحساب الجاري منخفضة على الرغم من أن المؤسسة ذاتها تصدر بيانات ميزان المدفوعات، وكانت المؤسسة عند إعداد التقرير قد أصدرت بيانات عن الربع الأول من عام 2011، كما أن لديها صورة جيدة عن بيانات الربع الثاني من العام نفسه. وتشير بيانات المؤسسة المنشورة على الشبكة العالمية إلى وصول الفائض في النصف الأول من عام 2011 إلى نحو 290 مليار ريال. وكان من المتوقع عند إعداد التقرير أن يرتفع حجم الصادرات النفطية في النصف الثاني من عام 2011، وأن تستمر أسعاره عند مستوياتها المرتفعة، وهذا سيرفع من قيمة الصادرات السعودية في النصف الثاني من عام 2011. وارتفاع قيمة الصادرات في النصف الثاني من عام 2011 سيضمن على الأقل بقاء فائض الحساب الجاري عند مستوياته في النصف الأول من العام. وبمنطق بسيط فإن هذا يعني أن فائض الحساب الجاري للمملكة في عام 2011 سيكون قريباً من مستويات 600 مليار ريال. ومع كل هذه المؤشرات جاءت تقديرات المؤسسة للفائض في الحساب الجاري لعام 2011 بعيدة عما هو منطقي، حيث قدره التقرير السنوي بنحو 378 مليار ريال، وهذا التقدير المنخفض يشير إلى مشكلة حقيقية في التنبؤ بفائض الحساب الجاري.
من جهةٍ أخرى، اقتصرت تنبؤات المؤسسة على متغيرات عام 2011 والذي شارف على الانتهاء، وهذه التنبؤات مجرد تقدير لما حصل فعلاً في هذه المتغيرات ولن تفيد كثيراً في تغيير تصرفات المؤسسات والأفراد. وكان من الأجدر في حالة إصدار تقديرات مستقبلية التحدث عن المتغيرات الاقتصادية المحتملة للعام المقبل (2012)، وذلك لتوفير تصور للأوضاع الاقتصادية العام القادم مما سيساعد الأفراد والمؤسسات في اتخاذ القرارات المستقبلية الصائبة.
وتقوم المصارف المركزية العالمية (المؤسسة هي المصرف المركزي للمملكة) في معظم دول العالم وخصوصاً في الدول المتقدمة باستشراف التطورات المستقبلية للمتغيرات الاقتصادية الكلية وخصوصاً الناتج المحلي، وذلك لأهمية هذه المتغيرات في تبني السياسات النقدية التي تتبعها المصارف المركزية. وتؤثر التوقعات المستقبلية التي تراها المصارف المركزية على سياساتها النقدية الحالية، نظراً للوقت الذي تتطلبه السياسات النقدية للتأثير على المتغيرات الكلية. وتبذل المصارف المركزية جهوداً مضنية لتحسين التوقعات من خلال إنشاء وحدات استشراف متمكنة ومجهزة بأفضل التجهيزات والخبرات البشرية. وتشير توقعات مؤسسة النقد العربي السعودي الأخيرة المنشورة في التقرير السابع والأربعين إلى قصور في قدراتها الاستشرافية، وهذا يستدعي ضرورة تطوير هذه القدرات من خلال توظيف الطاقات البشرية المتمكنة الوطنية والمتعاقدة، وتوفير الدعم التقني اللازم. وما لم يتم تطوير القدرات الاستشرافية فإن تقديرات المؤسسة المستقبلية ستكون منخفضة الدقة ومحدودة المنفعة وسيصعب تبني سياسات نقدية مستقلة، حيث يتطلب تبني سياسة نقدية مستقلة توفر قدرات فنية متمكنة قادرة على تقدير المتغيرات المستقبلية بدقة عالية. وقد أنقذ ربط الريال بالدولار الأمريكي المؤسسة من أخطاء تبني سياسة نقدية مستقلة.