رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل يتكامل العرب مع تركيا؟

في يوم 8 ديسمبر الماضي، وجَّه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من موقعه على ''تويتر'' عدة تغريدات أعرب فيها عن ارتياحه لزيادة حجم التبادل التجاري مع الدول العربية، الذي تزايد من 13 مليار دولار عام 2004 إلى 33.5 مليار دولار في عام 2010، كما بلغت الاستثمار العربية في تركيا 14 مليار دولار خلال السنوات الست الماضية، ودعا رجال الأعمال العرب إلى الاستثمار بصورة أكبر في تركيا والانفتاح على العالم من خلالها؛ نظرًا لموقعها المتميز، حيث يمكن الوصول إلى ربع سكان العالم في 50 دولة تقريبًا من تركيا في غضون أربع ساعات طيران، كما أن الاستقرار الاقتصادي الذي تتمتع به تركيا يعمل على تأمين أنشطة الأعمال للمستثمرين العرب. أما أهم دعوات أردوغان فتلك التي قال فيها إنه يأمل في إنشاء مناطق تجارة حرة مع البلدان العربية، حيث توجد اتفاقيات للتجارة الحرة بين تركيا والمغرب وتونس ومصر وسورية وفلسطين والأردن، وأن تركيا ما زالت تتباحث لتوقيع اتفاقية تجارة حرة مع لبنان وليبيا ودول مجلس التعاون الخليجي، واختتم تغريداته قائلا: ''هدفنا أن نصل مع الدول العربية لاتفاقيات استراتيجية تساهم في التعاون الإقليمي والتكامل الاقتصادي فيما بيننا''.
نبرة أردوغان تعبر عن الإخلاص في النية التركية نحو تقارب أقوى وأكثر فائدة مع الدول العربية، على الرغم من أن تركيا لم تفقد بعد الأمل في الالتحاق بركب السوق الأوروبية المشتركة غربًا، إلا أن الإهمال الأوروبي المستمر للمطالب التركية بالانضمام إلى أوروبا الموحدة يغري تركيا على الاتجاه شرقًا، وذلك بالتقارب مع الدول العربية التي تجمعها بها الكثير من الصلات، أهمها بالطبع التاريخ والدين، فضلاً عن التقارب الجغرافي، وذلك لتعميق دورها الاستراتيجي في المنطقة، بالصورة التي يتحدث بها أردوغان.
تطورات السياسة الخارجية التركية تسير بشكل أكثر يومًا بعد يوم نحو المصالح العربية في صراعها مع إسرائيل، وذلك في أعقاب تراجع العلاقات التركية ـــ الإسرائيلية نتيجة أحداث الاعتداء الإسرائيلي على أسطول الحرية التي راح ضحيتها مواطنون أتراك، وإصرار تركيا على أن تقدم إسرائيل اعتذارًا عما حدث، وكذلك تعويضات للضحايا، وهو ما لم يحدث حتى الآن، الأمر الذي أزعج الطرف التركي، وأصر على تخفيض شكل العلاقات السياسية والعسكرية مع إسرائيل.
أعتقد أن نجاح تركيا في إقامة تعاون اقتصادي مع الدول العربية سيؤدي إلى زيادة الوزن التركي عالميًا، بصفة خاصة بالنسبة لأوروبا التي ستنظر إلى تركيا بعين مختلفة بعد هذا التقارب التركي العربي، وهو ما قد يسرع في البت في طلب انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. أردوغان يريد أيضًا أن يطور هذا التقارب بحيث يأخذ طابعًا مؤسسيًا في صيغة تعاون اقتصادي مشترك، ينتهي بتكامل اقتصادي بين الدول العربية وتركيا كما أشار في تغريداته الأخيرة.
في رأيي أن آفاق التكامل الاقتصادي العربي ـــ التركي تواجه العديد من القيود، بصفة خاصة من جانب الدول العربية، ولذلك يُفضَّل أن تأخذ عملية التكامل صيغة بدائية في البداية، وفي حال نجاحها يمكن تطوير هذه الصيغة في المستقبل نحو مراحل أعلى في التكامل. صحيح أن هناك حاجة تركية للعرب، إلا أنه في رأيي، هناك حاجة أكثر إلحاحًا من جانب العرب إلى تركيا، فالدول العربية تحوي تناقضات متعددة من الناحية الاقتصادية بصفة أساسية، التي يلخصها الجدول التالي الذي يعرض المؤشرات الاقتصادية الأساسية للدول العربية مقارنة بتركيا. فدول الخليج تمتلك ثروات مالية في إطار صناديقها السيادية تتجاوز 1.5 تريليون دولار حاليًا، غير أنها تفتقر إلى التنويع الاقتصادي الذي يضمن استدامة هذه الاحتياطيات الضخمة، في الوقت الذي تتسم باعتمادها الكبير على الخارج في استيراد ما تحتاج إليه من سلع وخدمات، ومثل هذه الخصائص تنطبق بشكل ما على الدول العربية النفطية الأخرى أي ليبيا والجزائر. أما باقي الدول العربية فتتسم بانخفاض مستويات الدخول، وضعف القاعدة الإنتاجية بشكل عام، وزيادة عدد السكان، وارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض معدلات الادخار والاستثمار، وارتفاع مستويات الدَّين إلى الناتج المحلي الإجمالي، وغيرها من الأمراض الكلاسيكية للدول الفقيرة.
الاقتصاد التركي ـــ كما يتضح من الجدول ـــ يحقق ناتجًا محليًا إجماليًا ضخمًا نسبيًا، سواء بالمقاييس العربية أو العالمية، كذلك يعد نصيب الفرد من الدخل متوسطًا بالنسبة للدول الغنية في المنطقة أو في العالم. غير أنه يتصف بانخفاض معدلات الاستثمار نسبيًا وكذلك بانخفاض معدل الادخار، في الوقت الذي يعد فيه التضخم حاليًا من النوع المعقول، بعد أن عانى الاقتصاد التركي لفترات من التضخم المرتفع، كذلك تعد معدلات البطالة مرتفعة نسبيًا في تركيا، ذلك أن تركيا تمتلك كتلة سكانية لا بأس بها، وتعد الثانية من حيث العدد في هذه المجموعة من الدول بعد مصر.
تركيا من ناحية أخرى، تمتلك قاعدة اقتصادية وموارد متنوعة وثقلاً دوليًا لا يملكه العرب بحكم عضويتها في العديد من المؤسسات الدولية، مثل حلف الناتو، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تضم أكبر اقتصادات العالم. هذا بالطبع لا ينفي أن تركيا تواجه بعض الاختلالات الاقتصادية، إلا أن التعاون الاقتصادي العربي التركي من الممكن أن يجلب الكثير من المصالح لكلا الطرفين.
الصيغة المقترحة حاليًا من أردوجان هي أن يحدث تقارب بين تركيا والعرب في صورة مناطق للتجارة الحرة، فما المقصود بمنطقة التجارة الحرة؟ منطقة التجارة الحرة تعد إحدى المراحل البدائية للتكامل الاقتصادي بين الدول، التي تقوم على أساس التزام الدول الأعضاء في المنطقة بإلغاء القيود الجمركية (التعريفة الجمركية) على السلع والخدمات المتبادلة بين الأطراف المشتركة في المنطقة، وكذلك إلغاء القيود الكمية (مثل الحصص التي تفرض على الصادرات والواردات) التي قد تحد من تدفق التجارة بين الدول الأعضاء، مع احتفاظ كل دولة من الدول الأعضاء بالنظام الذي يناسبها في فرض الضرائب الجمركية على السلع التي تأتي من خارج المنطقة، وكذلك باقي السياسات التجارية والاقتصادية، ومن الواضح أن منطقة التجارة الحرة تساعد على تنمية التبادل التجاري بين الدول الأعضاء في الاتفاقية، الأمر الذي يرفع مستويات الناتج، ومن ثَمَّ الدخل، وكذلك يؤدي إلى خلق المزيد من الوظائف في دول المنطقة.
الدعوة التركية للتكامل مع الدول العربية ربما تأتي في الوقت المناسب تمامًا لدول مجلس التعاون الخليجي، التي يدور الحديث منذ فترة عن رغبتها في ضم الأردن والمغرب، وأخيرًا دارت بعض التسريبات عن التفكير في ضم مصر، في رأيي أنه من بين هذه الدعوات، تبدو الدعوة التركية أكثر جذبًا وجدوى بالنسبة لدول مجلس التعاون، سواء من الناحية السياسية، حيث يمكن أن تمثل تركيا حليفًا ذا وزن مقارنة بباقي الدول التي تفكر في ضمها للمجلس حاليًا أو من الناحية الاقتصادية؛ نظرًا لاتساع آفاق التعاون الاقتصادي عبر المسار التركي.
فالتعاون العربي التركي يمكن أن يساعد تركيا على رفع معدلات الاستثمار، اعتمادًا على رؤوس الأموال الخليجية، وذلك إلى المستويات التي تساعد الاقتصاد التركي على اللحاق بالدول الناشئة في العالم، ويرفع من معدلات النمو الاقتصادي به، بصفة خاصة في مجال الصناعة، في ظل الهيكل الحالي لقوة العمل التركية. في الوقت ذاته، يمكن أن تحقق هذه الاستثمارات الخليجية معدلات مناسبة من العائد وبصورة آمنة، ومثل هذا التدفق لرؤوس الأموال بين دول الخليج وتركيا يفتح قنوات واسعة للتبادل التجاري، تمكن دول الخليج من استيفاء الجانب الأكبر من احتياجاتها من تركيا، وتوفير سوق ضخمة للمشروعات الصناعية المشتركة، اعتمادًا على القوة الشرائية المرتفعة للمستهلكين في دول الخليج، فتتعاظم الفائدة من الاستثمارات الخليجية في تركيا.
من ناحية أخرى، فإن هذا الاعتماد المتبادل بين دول الخليج وتركيا يمكن أن يفرز جانبًا ثالثًا من التدفقات التجارية والمالية بين تركيا ودول الخليج وباقي الدول العربية، وذلك من خلال اتفاقيات التجارة الحرة والمعاملة التفضيلية، والمفترض أنها قائمة بالفعل بين الدول العربية، التي يمكن أن ترفع من مستويات التبادل التجاري بين تركيا وباقي الدول العربية، الأمر الذي سيساعد على خلق سوق تجارية متسعة أمام الصناعة التركية، وهو ما يعظم معدلات العائد على رؤوس الأموال الخليجية، ويساعد على تطوير أشكال التعاون الاقتصادي بين الدول العربية التي فشلت جميعها في أن تحقق المستهدفات التي تسعى إليها، وظلت حبيسة التقارير على الأرفف دون أن ترى النور.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي