النقل العام.. نسمع جعجعة فهل نرى طحنا؟!
تقصد العرب بهذا المثل كثرة الكلام وقلة الأفعال. وبلغة العصر أسمع كلاما جميلا منمقا، ولكني لا أرى فعلا أو لا أرى إلا خدمة متدنية.
لعل القراء الأفاضل يوافقونني على أن المثل ينطبق على وضع النقل العام لدينا.
لن أناقش شدة أهمية النقل العام، فهذا أمر مفروغ منه من حيث المبدأ، أما التفاصيل فليس مكانها هذا المقال.
لدينا وزارة للنقل وهيئات عليا لتطوير المدن الكبرى، وشركة كبيرة للنقل الجماعي، ولجان للنقل البري في غرف تجارية. كما عُقِد كمٌّ من النقاشات وطرحت كومة من التوصيات في موضوع النقل العام على مدى أكثر من 20 عاما، وما زلنا كما يقول المثل ''مكانك سر''. لم تنفذ التوصيات وما زلنا نفتقر إلى نقل عام كفء.
يبدو أن هناك مشكلة ما. ستتبين بعد قراءة توصيات دراسة لهيئة تطوير مدينة الرياض.
يعمل منتدى الرياض الاقتصادي على دراسة تطوير النقل العام داخل المدن، ومن يرغب الاطلاع على ملخص الدراسة، فعليه الدخول إلى موقع المنتدى.
وهناك دراسة سبقت، وهي منشورة في موقع الهيئة العليا لتطوير الرياض، عنوانها ''نحو تطوير نظام نقل عام آمن وفعال في مدينة الرياض''
http://www.arriyadh.com/ar/Researches/index.aspx
وأصلها ورشة عمل عقدت في 1421.
وكانت أهم نتائج حلقات النقاش والمداخلات التي قدمت أثناء هذه الورشة:
1- قناعة بأن معدل النمو في مدينة الرياض يؤكد عدم تمكن نظام النقل الحالي من توفير احتياجات التنقل المتوقعة مستقبلا في مدينة الرياض، حتى مع تطوير شبكات الطرق. ومن ثم لا بد من وجود نظام نقل عام شامل.
2- من أهم عوامل نجاح ذلك النقل العام مراعاة الخلفيات الاجتماعية والثقافية.
3- أثبتت التجارب العالمية أن للقطاع العام الدور المهم في وضع النظم والتشريعات الخاصة لتشييد وتشغيل نظم النقل العام، بينما يلعب القطاع الخاص الدور الأكبر في تشغيل نظم النقل العام، مع توفير الدعم الكافي.
4- هناك حاجة إلى إعادة البنية المؤسسية الكفيلة بتطوير نظام النقل العام داخل مدينة الرياض؛ وذلك لعدم تمكن الهياكل المؤسسية القائمة حاليا بالنهوض بمستوى خدمات النقل العام في مدينة الرياض إلى المستوى المطلوب.
5- تم اقتراح تشييد مشروع نقل عام تجريبي. كما أوصى المحاورون أن يتم البدء بتصميم هذا المشروع في أسرع وقت ممكن.
لم تتطرق الدراسة بوضوح إلى نقطة جوهرية: إدارة المشروع. من يتولى مهمة إدارة تحويل التوصيات إلى واقع؟
النقل العام عبارة عن مشروع يتطلب إدارة؛ مما يعني وجوب وجود شكل من أشكال التنظيم المؤسسي لتلك الإدارة. ومهما كان التنظيم المؤسسي المتخذ، ومهما كان اسمه، فإنه:
أولا: لا بد من أن يكون عالي الفاعلية، يتلافى عيوب الوضع القائم، من حيث ضعف الصلاحيات والتنسيق والمتابعة بغرض تحويل التوصيات إلى واقع.
ثانيا: لا بد من تلافي مشكلة التنظيم المؤسسي المضخم أو المعقد؛ إذ قد يسبب ذلك في خلق بيروقراطية تعوق أو تبطأ الإصلاح.
لا يوجد شكل محدد للتنظيم المؤسسي الواجب إتباعه؛ إذ هناك تفاوت بين الدول في كيفية تنظيم جهازها الحكومي لتولي إدارة تخطيط وتنفيذ النقل العام. من جهة أخرى، هناك الهيئات العليا (لبعض المدن والمناطق)، وهناك وزارة النقل وهناك وزارة الداخلية.
من المقترح استحداث منصب وكيل وزارة النقل للنقل العام البري. ويعمل مجلس للتنسيق بين الوزارة والهيئات العليا والشركة السعودية للنقل الجماعي و/أو شركات أخرى والغرف التجارية والمؤسسة العامة للخطوط الحديدية.
وتسهيلا سنطلق عليه اسم المجلس التنفيذي للنقل العام. هذا المجلس يعمل تحت إشراف المجلس الاقتصادي مباشرة، ويستمد منه قوته واختصاصاته، الذي يعني أن إدارة تنفيذ النقل العام هي جوهر أعماله. هذه الإدارة ينبغي أن توضح مسؤولياتها وصلاحياتها بالتفصيل.
مهام مقترحة للمجلس التنفيذي:
1. تفرغ أعضاء وموظفي المجلس التنفيذي.
2. تكليف من يرى لعمل دراسات تفصيلية وتقارير للنقل العام البري. وعلى المجلس التنفيذي رفع تقارير دورية مفصلة عن سير البرنامج إلى المجلس الاقتصادي الأعلى، الذي بدوره يفترض أن يقرر في الوقت المناسب، أو أن يمنح المجلس التنفيذي سلطة القرار.
3. أعمال التنسيق ومراقبة ومتابعة تنفيذ مشروع النقل العام.
4. عضو المجلس التنفيذي يكون حلقة اتصال دائمة بين جهته والمجلس.
لا شك في أن ممارسة المهام السابقة بكفاءة تتطلب - من ضمن ما تتطلب - وضع لوائح إجرائية مفصلة لعمل المجلس التنفيذي، وآلية عمله.
باختصار، النقل العام يدور منذ أكثر من 20 عاما في دائرة مكانك سر. إن وجود نقل عام كفء داخل المدن أصبح حاجة ملحّة، وتنفيذه يتطلب بناءً مؤسسيا قويا ذا سلطة لتحويل الأحلام إلى واقع. وبالله التوفيق.