الاقتصاد العالمي ينزف.. والحرب على الإرهاب تراوح مكانها

في مدينة جدة قابلت مدير معهد الاستشراق في مدينة بون الألمانية الذي كان يزور المملكة مع نخبة من طلاب المعهد الألماني؛ فسألته: كم عدد المسلمين في ألمانيا؛ فقال بسرعة: إنهم يتزايدون بمتواليات هندسية؛ ثم أكمل وهو يخفي حنقه: الحكومة الألمانية عندها إحصائيات مقلقة عن الأقلية الإسلامية؛ فالإحصائيات تقول إن المسلمين بعد 60 عاما سيصبح عددهم أكثر من غير المسلمين؛ وتوقف الرجل هنيهة ولاحت عليه مسحة من الانفعال وعلت وجهه حمرة تفترش وجنته الشقراء؛ ولكنه أخذ يغالب غضبه وهو يقول: ستصبح ألمانيا دولة إسلامية بالأكثرية بعد 60 عاما من الآن.
وتوقف صاحبي عن الكلام ثم استدار يسألني عن وضع الأقليات غير الإسلامية في السعودية؛ فقلت له: لا توجد أقليات غير إسلامية؛ فكل السعوديين مسلمون.
ووضح من كلامي أنني لا أرحب باستمرار الحديث معه لأن الكدر والضجر بدأ يعلو نبراته وبات يثقل أسئلته بشيء من الاستفزاز؛ ولذلك استأذنته وقفلت عائدا إلى عملي.
هذه مقدمة حقيقية لا بد أن أذكرها ونحن نتحدث عما يسمى بحرب الإرهاب التي استنزفت خزائن الولايات المتحدة وعرضت الاقتصاد العالمي لأزمة مالية طالت كل أرجاء الاقتصاد العالمي؛ وهي في الواقع إفراز لنظرية صدام الحضارات التي بشر بها هاننجتون في بحثه المشهور الذي نشره في دورية الشؤون الخارجية في عام 1993.
وبعد هاننجتون جاء برنارد لويس وفتح ملف الحرب ضد الإسلام واستغل أحداث التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) وطالب الولايات المتحدة الأمريكية والغرب بإعلان الحرب الصليبية على العرب لأنهم وقود الحركات الإسلامية في كل أنحاء العالم؛ ويرى لويس أن المسلمين إرهابيون لا يستحقون العيش بسلام؛ وعلى الغرب أن يجيش الجيوش لتقسيم وتفتيت الدول العربية وفتح الطريق أمام مشروع إسرائيل الكبرى على الأراضي العربية الإسلامية.
والآن تأخذ الحرب على الإسلام أشكالا مختلفة؛ إما الحرب بالمواجهة العسكرية المباشرة كما حدث في غزو أفغانستان وباكستان والعراق؛ وإما الحرب عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وهي حرب شاملة تستهدف تدمير البنى التحتية للمجتمعات العربية والإسلامية.
وهكذا استطاعت الثورات الشعبية التي اندلعت في عدد من الدول العربية والتي أطلق الغرب عليها اسم ثورات الربيع العربي، أن تحدث انقسامات مفزعة في بنيوية المجتمعات العربية التي أصبحت جاهزة للتقسيم والتفتيت على الأساس العرقي أو الطائفي والمذهبي الذي خططه لها الغرب وعملاؤه؛ فالعراق تم تقسيمه إلى سنة وشيعة وأكراد؛ وليبيا بدأت رحلة التقسيم بين العرب والأمازيغ؛ بينما يجهز المشهد في مصر لتقسيمها إلى إسلام وأقباط ونوبة؛ بينما سورية واليمن تستعدان لمرحلة ما بعد انتهاء مظاهرات الربيع العربي.
وأذكر بهذه المناسبة أن علماءنا الأفاضل كان لهم موقف مشهود من الثورات الشعبية في العالم العربي، حيث اجتمعت هيئة كبار العلماء في المملكة في يوم الإثنين السادس من آذار (مارس) 2011 وأصدرت بيانا رسميا جاء فيه:
إن المحافظة على الجماعة من أعظم أصول الإسلام؛ وهو مما عظمت وصية الله تعالى به في كتابه العزيز؛ وعظم ذم من تركه؛ إذ يقول - جل وعلا - ''واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون''. ومضى البيان يقول: وهيئة كبار العلماء إذ تستشعر نعمة اجتماع الكلمة على هدي من الكتاب والسنة في ظل قيادة حكيمة، فإنها تدعو الجميع إلى بذل كل الأسباب التي تزيد من اللحمة وتوثق الألفة، وتحذر من كل الأسباب التي تؤدي إلى ضد ذلك، وهي بهذه المناسبة تؤكد على وجوب التناصح والتفاهم والتعاون على البر والتقوى، والتناهي عن الإثم والعدوان.
وأكدت الهيئة في بيانها أن للإصلاح والنصيحة أسلوبهما الشرعي الذي يجلب المصلحة ويدرأ المفسدة، وليس بإصدار بيانات فيها تهويل وإثارة فتن وأخذ التواقيع عليها لمخالفة ذلك مع ما أمر به الله - عز وجل - في قوله - جل وعلا: ''وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا''.
إذا أعطاني القارئ العزيز حرية الرأي، فليسمح لي أن أعلنها صريحة بأنني ضد ثورات الربيع العربية التي جاءت ضمن مفهوم كندوليزا رايس ''الفوضى الخلاقة!''.
وأعرف تماما أن الشعوب العربية كافة - من المحيط إلى الخليج - تؤيد الثورات الشعبية العربية وتتعاطف بحماسة شديدة معها، ولكنى شخصيا لا أؤيد هذه الثورات ولا أقف معها، بل على النقيض من ذلك أشكك في صحيح دوافعها؛ ولذلك فإنني أقف في الصف المعارض لها، وأقف مع الصف الذي يدعو إلى قلع الأنظمة الدكتاتورية العربية وفرض الإصلاح الحقيقي والفعال بعيدا عن الثورات والرجات؛ ولدي من الأسباب الموضوعية ما أرجو أن يتفهمه القارئ الواعي الحصيف.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي