رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


منتدى الإدارة المحلية.. ونهج الأمير سلمان

''تحديات الحاضر وتطلعات المستقبل'' هذا هو العنوان الذي تبناه منتدى الأمير عبد الرحمن السديري في دورته الخامسة والذي سيعقد بمشيئة الله يوم الاثنين المقبل في 12 كانون الأول (ديسمبر) في مركز الملك فهد الحضاري في العاصمة الرياض. ولم يفت على منظمي المنتدى بهذه المناسبة التي تضم نخبة من المختصين وجمهورا عريضا من المهتمين الاحتفاء برائد الإدارة المحلية الأمير سلمان بن عبد العزيز الذي أسس لإرث عظيم في أسلوب صناعة القرار المحلي وشكل بفكره ونهجه وحسه الإداري والسياسي مفهوما جديدا للإدارة المحلية السعودية منذ ما يقارب خمسة عقود توج هذه الخبرة والتجربة الثرية بتأسيس هيئة تطوير مدينة الرياض. ولا يختلف من له دراية بالشأن المحلي أن الهيئة تمثل نموذجا مميزا للعمل المؤسسي المشترك والتنظيم التعاوني المحلي يرتكز على إتاحة الفرصة لتداخل جميع سكان المدينة في الإسهام بجهود التنمية المحلية، وهو مفهوم سابق لزمانه ولم يكن مدركا في ذلك الوقت ولم يخطر على بال أحد، فالأمور كانت تدار كالمعتاد عبر إجراءات رتيبة بيروقراطية وبمركزية شديدة وبقرارات قطاعية مجزأة. لقد أدرك الأمير سلمان أن تنمية مدينة الرياض لا يمكن أن تقوم إلا من خلال استراتيجية محلية مشتركة تعكس أولويات ورؤى يتبناها سكان المدينة. لكن كيف السبيل لتحقيق ذلك وليس هناك كيان إداري ينضوي تحته جميع أطراف العملية التنموية المحلية من مسؤولي الأجهزة الحكومية ورجال الأعمال وقيادي العمل الخيري ومؤسسات المجتمع المدني يناقشون ويتداولون القضايا المحلية.
لقد وقف نظامنا الإداري الحكومي مشدوها يرقب هذه التجربة الفريدة في إدارة المدن وهي تجتهد بالانعتاق من قيود البيروقراطية والانطلاق في تحقيق ما ينفع الناس واقعا ملموسا ومشاريع محسوسة وليس تقارير ورقية تدور في حلقة مفرغة بين الأجهزة الحكومية لا تغني ولا تسمن من جوع. هذا هو سر تألق الأمير سلمان الحاكم الإداري، فهو مهني وعملي ونظامي ودقيق حتى النخاع. وعلى حرصه الشديد في اتباع الإجراءات وتشدده في تطبيق النظام إلا أنه لا يجعل ذلك على حساب النتائج والتأثير النهائي لأي مشروع أو عمل حكومي. فمنهجه أن النظام من أجل خدمة الناس وإذا ما عطل مصالحهم فيحتاج إلى تطوير ولا يصح أن نغمض أعيننا، ونطبقه دون إعمال العقل والبحث عن حلول مبتكرة تنفع ولا تضر. هذا ما جعل الكثيرين من كل مناطق السعودية يقصدونه عندما تتعثر مصالحهم ويقف التنظيم البيروقراطي بتعقيداته حائلا دون تحقيق مطالبهم، فيبادر في تطويع النظام لخدمة الناس دون أن يتجاوزه أو يكسره، فالمصلحة العامة بالنسبة له موازنة بين حقوق المواطنين كأفراد والمصلحة الجماعية، فلا يكون أحدها على حساب الآخر. وفي جانب الممارسة الإدارية يظهر أسلوبه القيادي المرتكز على القوة بالحق، والالتزام بالقرار، وأن يكون قدوة للآخرين، يتعامل مع كبيرهم كأخ، وصغيرهم كوالد، فهو شديد برحمة، وسريع الاستجابة بتعقل، يعرف الجميع ويحفظ تاريخ الوطن عن ظهر قلب ويقف على مسافة واحدة من جميع أبناء الوطن.
الإرث الإداري للأمير سلمان فكرا وقيمة ونهجا وأسلوبا أكبر من أن يختزل في مقال، وهو بلا شك يمثل إطارا تنطلق منه الإدارة المحلية السعودية بل يتجاوز جغرافيا الوطن، فهذه المنظمة العربية للتنمية الإدارية تؤسس لجائزة الأمير سلمان للإدارة المحلية العربية متخذة من نهجه العملي ونظرته الواقعية وتجربته الثرية وإنجازاته المميزة ومبدئه في تحقيق ما ينفع الناس، منطلقا لتطوير القيادات الإدارية المحلية الشابة في الوطن العربي. وعلى مستوى الوطن يمثل فكره في الإدارة المحلية أساسا في الإصلاح والتنمية الإدارية، إذا إنه يؤمن أن الإدارة المحلية تقع في جوهر العملية الإصلاحية. فالتنمية المحلية كما يرى هي جذور التنمية الوطنية، وبالتالي لابد من رعايتها وتطويرها. وهذا بطبيعة الحال لا يتأتى إلا من خلال منح صلاحيات إدارية ومالية أكبر للمجالس على مستوى المناطق والمحافظات والمدن بما يتناسب مع حجم المسؤوليات الكبيرة الملقاة على عاتقها والأدوار المهمة والمطلوبة في ظل المعطيات الجديدة والمتغيرات والمستجدات على الساحتين الداخلية والخارجية.
إن المنتدى الذي خصص لمناقشة تحديات الإدارة المحلية والفرص المتاحة والبحث عن ملامح جديدة للإدارة المحلية السعودية في إطار الثوابت الوطنية يستقي من تراث الوطن ويحقق رؤى وتطلعات رائد الإدارة المحلية الأمير سلمان. المنتدى يأتي في سياق توجه الدولة نحو التطوير والإصلاح في شتى مجالات الإدارة العامة. هذه النزعة نحو الإصلاح الإداري يلزم أن ترتكز في جوهرها على الموازنة بين المركزية واللامركزية وإصدار نظام خاص بالإدارة المحلية ينبثق من رؤية الأمير سلمان التي هي امتداد لمدرسة الوالد المؤسس الملك عبد العزيز في الحكم والإدارة. هذه المدرسة التي صنعت سياسة الباب المفتوح والاقتراب للمواطن وتحقيق احتياجاته بكفاءة وفاعلية، سعت إلى تطبيق اللامركزية إيمانا في أن الهيئات المحلية الأقرب والأدرى والأحرص على فهم ومعالجة المشكلات المحلية من باب ''يرى الحاضر ما لا يرى الغائب''، وأن ''أهل مكة أدرى بشعابها''. هذه النظرة الواعية للملك عبد العزيز ومن بعده الأمير سلمان يفترض أن تكون البوصلة التي توجه تطوير الإدارة المحلية تطويرا جذريا، حيث تكون صناعة القرار المحلي محليا وأن يتحمل سكان المناطق والمحافظات والمدن مسؤولية رعاية شؤونهم وإدارة التنمية المحلية. لم يعد مقبولا أن تتحمل الهيئات المركزية عبء ومسؤولية توفير وإدارة الخدمات المحلية فهو أمر يزداد صعوبة ويكاد يكون مستحيلا مع التغيرات السكانية والحضارية والثقافية. هذا هو التحدي الكبير الذي يجب إدراكه والعمل على تخطيه بمبادرة شجاعة وكسر حاجز الرهبة وتصحيح المفهوم الخاطئ في أن الإدارة المحلية تقلل من سلطة الهيئات المركزية. إن الأمل معقود في تجاوز تحديات الحاضر وتحقيق تطلعات المستقبل تعززه النوايا الصادقة والمخلصة والرؤية الإصلاحية التي يقودها الملك عبد الله وولي عهده الأمير نايف ورائد الإدارة المحلية وزير الدفاع الأمير سلمان.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي