رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تراخي الأنظمة البيئية ساهم في رفع تلوث الهواء

ساهم العديد من السياسات والممارسات في خفض جودة الهواء في المملكة ورفع مستويات تلوثه خلال الأعوام الماضية. ومن أبرز هذه السياسات تدني أسعار منتجات الطاقة والتي شجعت على إهدارها وتسارع معدلات استهلاكها، مما تسبب في زيادة انبعاثات الغازات الملوثة للهواء بمعدلات كبيرة. ولم يكن تدني أسعار منتجات الطاقة الذي تم التطرق إليه في المقالة السابقة السبب الوحيد وراء ازدياد تلوث الهواء، فقد لعب العديد من السياسات والممارسات أدواراً حيوية في الإساءة إلى البيئة ورفع مستويات تلوث الهواء.
ويعتبر ضعف الأنظمة البيئية وانخفاض كفاءة تفعيلها من العوامل المهمة المساهمة في ازدياد تلوث البيئة والهواء على وجه الخصوص. ومن المؤشرات القوية على تراخي الأنظمة البيئية تواجد العديد من المصانع والمناطق الصناعية بالقرب من المواقع السكنية، بل وتداخلها أحياناً مع المناطق السكنية. وقد تنشأ المصانع أو المناطق الصناعية على مسافات معقولة من المناطق السكنية، ولكن نفوذ العقاريين والصناعيين والفساد المتصل بهذا النفوذ يسمح فيما بعد بتداخل المناطق السكانية مع المصانع والمناطق الصناعية. فمشروع الإسكان القديم جنوب الرياض يقع في الوقت الحالي بين منطقتين صناعيتين، وآمل أن يراعي المشرفون على تنفيذ مشاريع الإسكان الحكومية القادمة ضرورة سلامة مواقعها بيئياً وعدم قربها من أي مناطق صناعية. ويجاور مصنع الأسمنت الضخم في مدينة الرياض المناطق السكنية ويبث كميات كبيرة من الملوثات على الأحياء المجاورة له، وقد سمح له بتنفيذ توسعة كبيرة قبل عدة سنوات ولم نسمع عن أي اعتراض على هذه التوسعة، وضاعفت هذه التوسعة من كمية الملوثات التي يبثها إلى أجواء مدينة الرياض والتي لا تنقصها ملوثات. وقد عانت مدينة الدمام قبل فترة وجيزة من تسرب بعض ملوثات الهواء من أحد المصانع المتواجد بقرب المناطق السكنية والذي أدى إلى منع الدراسة في عدد أحياء المدينة القريبة من المصنع.
ولا يقتصر تراخي الأنظمة البيئية على أنشطة الأعمال بل إنه يشمل أيضاً مواصفات عدد من المنتجات والتي أهمها المركبات. وتساهم المركبات كالسيارات والحافلات والشاحنات بشكل رئيس في تلوث هواء المدن. وتطبق دول العالم المتقدمة معايير صارمة على انبعاثات عوادم المركبات ويلزَم مصنعي المركبات بتركيب الأجهزة المخفضة للملوثات، وقد ساهمت هذه المعايير في خفض مستويات تلوث الهواء في عدد من مدن العالم المتقدم. ومن المؤسف السماح لموردي السيارات بتعمد نزع بعض الأجهزة الخافضة للتلوث في المركبات وأهمها ما يسمى بالكاتلست كونفرتر Catalyst Converter. ويقوم هذا الجهاز بتحويل الغازات السامة التي تنتج عن الاحتراق الداخلي في المركبات إلى غازات آمنة نسبياً. ونتيجةً لهذا التراخي ترتفع معدلات بعض الغازات السامة مثل أول أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين والهيدروكربونات غير المحترقة في المناطق المزدحمة داخل مدن المملكة. من جهةٍ أخرى لا تفرض قيودا صارمة على انبعاثات الكربون والكبريت من مركبات الديزل والتي بدأت تغمر بعض مدن المملكة وتغطي أجواءها بالغازات الداكنة، وشجع انخفاض أسعار الديزل مقارنةً بالبنزين المبالغة في استخدام مركبات الديزل. ومن المؤسف استخدام حافلات الديزل لنقل تلاميذ المدارس على الرغم من وجود دلائل في عدد من الدول المتقدمة على تسبب استخدام الديزل في هذه المركبات برفع معدلات الأمراض التنفسية بين تلاميذ المدارس، بل ووجود علاقة إيجابية بين عدد من وفيات التلاميذ واستخدام الديزل في حافلات المدارس.
وتساهم نوعية الوقود المستخدم في إنتاج الكهرباء في رفع مستويات التلوث. وقد تخلت معظم دول العالم عن استخدام النفط ومنتجاته في إنتاج الكهرباء بسبب تكاليفه المرتفعة مقارنةً بالغاز الطبيعي وانبعاثات الغازات الضارة الناتجة عن استخدامه. ومع هذا أدى دعم أسعار النفط إلى استخدام شركات الكهرباء جزئياً للنفط الخام ومنتجاته في توليد الطاقة، وهذا يرفع من معدلات تلوث الهواء في الأماكن القريبة من المولدات. ولهذا يجب إلزام شركات توليد الكهرباء باستخدام الغاز الطبيعي أو أي مصدر من مصادر الطاقة المتجددة لخفض الانبعاثات الضارة للهواء.
ويتم في معظم دول العالم رفع قضايا لحماية البيئة والتصدي لممارسات الأعمال المسيئة لها، أما في المملكة فلم نسمع عن أية قضايا مرفوعة ضد الملوثين للبيئة. ولم يتم في أي وقت من الأوقات على حد علمي دفع أية تعويضات للمتضررين من تلوث البيئة أو حتى فرض غرامات على ملوثي الهواء وملوثي البيئة بشكل عام. وتنعم ألأعمال في المملكة بتراخي الأنظمة البيئية، مما ساهم في تضخيم أرباحها ولكن على حساب البيئة والصحة العامة. إن معضلات التلوث بدأت تتصاعد في المملكة في الفترة الأخيرة وستسمر في التصاعد مستقبلاً. وعلينا أن نتحرك قبل أن تصل مستويات تلوث البيئة والهواء على وجه الخصوص إلى مستويات خطيرة ومدمرة. ولهذا ينبغي البدء وبأسرع وقت ممكن بوضع استراتيجية شاملة للمحافظة على البيئة ومكافحة التلوث. ويتطلب وضع هذه الاستراتيجية بعض الوقت وجهودا ضخمة وفرق عمل متخصصة وحصيفة. وينبغي أن تتضمن الاستراتيجية المقترحة إصلاح الأنظمة البيئية الحالية ووضع أنظمة مناسبة، وإنشاء مؤسسة أو وزارة مستقلة معنية بالبيئة وقادرة على تفعيل أنظمتها، وتطوير النظام القضائي للبت في القضايا البيئية، كما يمكن دعم الوعي والثقافة البيئية، وتشجيع مشاركة المجتمع في حماية البيئة، وتحفيز استخدام وإنتاج المنتجات الخضراء. وعلى واضعي الاستراتيجية تحديد أهداف طويلة الأمد للحد من مستويات الملوثات بشكل عام ورفع نوعية الهواء بشكل خاص، وذلك من خلال تبني السياسات المخفضة لكثافة استخدام الطاقة ووضع معايير صارمة لانبعاثات الملوثات والوصول إلى مستويات آمنة لها في الهواء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي