رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تسهيلات صندوق النقد الجديدة.. لمن ستقدم؟

أنشئ صندوق النقد الدولي بهدف تحقيق استقرار النظام النقدي على المستوى العالمي، وذلك من خلال محاولة العمل على ضمان استقرار معدلات الصرف للعملات المختلفة والمحافظة على توازن موازين المدفوعات للدول الأعضاء، بهدف خلق مناخ مناسب لدفع النمو الاقتصادي المستدام في الاقتصاد العالمي، ولضمان تحقيق هذه الأهداف فإن الصندوق يعمل على تقديم المساعدات المالية في صورة تسهيلات ائتمانية للدول الأعضاء بالشكل الذي يساعدها على معالجة المشكلات المتعلقة بموازين مدفوعاتها، ويتم ذلك غالبا في إطار برامج للمساندة أو للتعديل الهيكلي تتضمن حزمة من السياسات التي ينبغي على الدولة العضو اتباعها لضمان بلوغ الأهداف المحددة سلفا في هذا المجال ضمن ما يطلق عليه عادة ''خطاب النوايا''، وغالبا ما يتم ذلك من خلال اتفاق بين الصندوق والدولة العضو يضم الترتيبات والتدابير والسياسات التي ستنفذها الدولة العضو من أجل حل المشكلات الحالية التي يواجهها ميزان مدفوعاتها.
غير أنه لضمان التزام العضو بالترتيبات والسياسات المتفق عليها لتصحيح الأوضاع الاقتصادية به، دائما ما يرهن السحب من التسهيلات الائتمانية التي يمنحها الصندوق للدولة العضو بمدى التزام العضو بتنفيذ الإجراءات والسياسات المتفق عليها في إطار برنامج المساندة أو الإصلاح الاقتصادي وذلك من خلال عمليات التقييم التي تجرى بشكل دوري للتأكد مما إذا كان البرنامج المدعم من خلال موارد الصندوق يتم تنفيذه في الإطار الصحيح أم لا، وما إذا كانت هناك حاجة إلى إجراء تعديلات طفيفة أو جوهرية على البرنامج لتحقيق أهدافه المحددة سلفا وفقا الجدول الزمني المتفق عليه. غير أن بعض أنواع الاتفاقيات ما قد يتيح للدولة العضو الاستفادة من التسهيلات الائتمانية التي يمنحها الصندوق المالية مقدما.
ويتم التقييم عادة في إطار مجموعة من المعايير الكمية التي يتعين على العضو المقترض استيفاؤها وذلك لاستكمال عملية المراجعة لأوضاعه الاقتصادية والمالية، وعادة ما تشمل هذه المعايير عدة متغيرات اقتصادية مثل معدل عرض النقود وإجمالي حجم الائتمان المحلي وإجمالي الاحتياطيات الدولية للعضو ووضع الميزانية العامة للدولة العضو وحجم الدين الخارجي وصافي أصول البنك المركزي وحجم الاقتراض الحكومي... إلخ.
إضافة إلى التسهيلات التمويلية يقدم الصندوق أيضا المساعدات الفنية للدول الأعضاء وكذلك تسهيلات التدريب التي تساعد الأعضاء على رسم سياسات اقتصادية فعالة وتنفيذ هذه السياسات بما يضمن تحقيق مستهدفات الدولة العضو في هذا المجال، على سبيل المثال في مجال السياسات الضريبية وسياسات الإنفاق العام والسياسات النقدية وسياسات معدل الصرف وسبل الرقابة على النظامين المالي والمصرفي.
وتتعدد التسهيلات الائتمانية التي يقدمها الصندوق ما بين ترتيبات المساندة Standby arrangements وهي تسهيلات تقدم على مدى زمني قصير، والتسهيلات الائتمانية الممتدة والتي تقدم على مدى زمني أطول نسبيا لمواجهة اختلالات هيكلية تعانيها الدولة العضو والتسهيلات الائتمانية السريعة، وكذلك ما يطلق عليه خط الائتمان الوقائي Precautionary Credit Line، فضلا عن نافذة مساعدات الطوارئ لمد الدول التي تعاني من آثار الكوارث الطبيعية أو مضاعفات الصراعات الداخلية أو العسكرية بالمساعدات المالية اللازمة للتعامل مع تلك الأوضاع.
منذ أن انطلقت الأزمة المالية العالمية وصندوق النقد الدولي يعمل جاهدا على تدبير الموارد المالية التي تحتاج إليها الدول الأعضاء للتعامل مع توابع الأزمة. فقد قام الصندوق بإجراء تعديلات كثيرة على التسهيلات الائتمانية التي يقدمها للأعضاء بهدف زيادة الموارد القابلة للإقراض لدى الصندوق لتعزيز قدرته على التعامل مع الأزمة وزيادة موارد الائتمان التي يمكن أن يقدمه للأعضاء. غير أن تدقيق النظر في طبيعة هذه التسهيلات الائتمانية الجديد يظهر لنا بجلاء أنها تسهيلات موجهة أصلا نحو فئة محددة من الدول، وهي طائفة الدول الأعضاء ذات الأداء الاقتصادي القوي والتي تواجه نقصا طارئا في السيولة بسبب الأزمة أو بسبب ظروف مشابهة.
لقد تضمنت الإصلاحات التي قام بها صندوق النقد الدولي أخيرا، لتعزيز قدراته على الإقراض، إنشاء ما يسمى بترتيبات خط الائتمان المرن Flexible CreditLine والذي يهدف إلى توفير تسهيلات ائتمانية للدول الأعضاء التي تتمتع بسياسات ومؤشرات للأداء الاقتصادي القوي نسبيا، حيث تقتصر الاستفادة من هذه التسهيلات على الدول الأعضاء التي تستوفي معايير صارمة يحددها الصندوق، ولا يشترط الصندوق، على غير العادة، أن يصاحب عمليات السحب من هذه التسهيلات الائتمانية ضرورة تحقيق العضو لأهداف محددة سلفا بالنسبة للسياسات التي يطبقها، وتتميز هذه التسهيلات بأنها تمتد على نطاق زمني طويل نسبيا يتراوح بين 3.5 وخمس سنوات، ويجوز تمديدها وفقا لاحتياجات ميزان المدفوعات في الدولة العضو، ويتم تقرير الموارد التي تتاح من خلال هذا الخط حسب الحالة، كما أنها لا تخضع لحدود الاستفادة العادية، كما تصرف التسهيلات الائتمانية المقررة من خلال هذا الخط دفعة واحدة، ولا يشترط لحصول الدولة على التسهيلات الائتمانية وفقا لهذا التسهيل تنفيذ الدولة لتفاهمات محددة مع الصندوق.
على الرغم من أن مثل هذه التسهيلات الجديدة تمثل تعديلا جوهريا في درجة المرونة التي تتصف بها التسهيلات الائتمانية المقدمة من جانب الصندوق، إلا أن مثل هذا التسهيلات، كما سبقت الإشارة، تقتصر فقط على حالة الدول ذات الأداء الاقتصادي القوي، والتي تملك مؤشرات اقتصادية كلية ملائمة، أما الاقتصاديات الضعيفة أو ذات الملاءة المالية غير المناسبة، وهي أكثر الدول الأعضاء حاجة إلى تسهيلات الصندوق، فلا سبيل أمامها للتمتع بمثل هذه التسهيلات المرنة.
كذلك قام الصندوق بتعزيز ترتيبات تسهيلات المساندة Standby Arrangements، من خلال استخدامها كأداة للحيلولة دون وقوع الأزمات التي يمكن أن تواجه الدول الأعضاء غير المؤهلة للحصول على التسهيلات الائتمانية في إطار خط التسهيلات المرنة، وذلك من خلال تسهيل شروط السماح بالحصول على الائتمان وتقليل عدد مرات المراجعة التي يقوم بها الصندوق لأداء العضو، ولكن ذلك، مرة أخرى، يتم استنادا إلى السياسات التي يطبقها العضو ووفق حالة ميزان مدفوعاته، من ناحية أخرى، قام الصندوق بمضاعفة قدرة الدول الأعضاء على السحب من موارده حتى 200 في المائة كحد أقصى من حصة على أساس، سنوي وإلى 600 في المائة كحد أقصى من حصة العضو على أساس تراكمي، وذلك بهدف بعث الثقة لدى الأعضاء بأن الصندوق سيدبر التسهيلات الائتمانية المناسبة لكي تكون في متناول الأعضاء وبما يتوافق مع احتياجاتهم التمويلية.
من التسهيلات المهمة التي أدخلها الصندوق أخيرا أيضا ما يطلق عليه خط الائتمان الوقائي Precautionary Credit Line وهو تسهيل ائتماني جديد يهدف إلى منع وقوع أزمة في الدول التي تتمتع بسياسات اقتصادية قوية وأداء مناسب في تنفيذ هذه السياسات، وبمؤشرات أداء اقتصادي متينة، ويستهدف هذا التسهيل أساسا الاقتصاديات التي لا تحتاج إلى إحداث تعديلات هيكلية في سياساتها الاقتصادية الكلية، على النحو المتبع في باقي التسهيلات التي يقدمها الصندوق، وتتراوح مدة استفادة العضو من هذا التسهيل ما بين 12 شهرا و24 شهرا، وبمقتضى الخط يمكن للعضو، حال صدور الموافقة على منحه هذا النوع من التمويل، سحب ما يصل إلى 500 في المائة من حصته، ويمكن أن يصل إجمالي السحب إلى 1000 في المائة من الحصة بشرط أن تحقق الدولة تقدما ملحوظا في معالجة مواطن الضعف التي تعانيها، وتمثل هذه المستويات من السحب، في غضون هذه الفترة الزمنية القصيرة نسبيا، تطورا كبيرا في شروط الإقراض لصندوق النقد الدولي.
في يوم 21 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي وافق الصندوق على إجراء تعديلات على شروط الإقراض وذلك باستبدال خط الائتمان الوقائي بخط الوقاية والسيولة Precautionary and Liquidity Line، وذلك بهدف زيادة درجة المرونة في التسهيلات التي يمنحها الصندوق من خلال توسيع نطاق الظروف التي يسمح في ظلها بمنح هذا النوع من التسهيلات ليشمل الحماية ضد الصدمات المستقبلية التي يمكن أن تواجه العضو وكنافذة لتوفير السيولة اللازمة للعضو في الأجل القصير، بصفة خاصة للدولة التي تواجه ضغوط إقليمية أو عالمية نتيجة الأزمة وذلك للحيلولة دون انتشار عدوى الأزمة على النطاق الدولي، وتتمثل أهم الشروط الموضوع للحصول على التسهيلات الائتمانية من الصندوق في إطار خط الاحتياط والسيولة في ضرورة أن يتم تقييم الدولة العضو على أساس متانة سياساتها الاقتصادية، ودرجة التزامها بهذه السياسات في المستقبل. حيث يمكن للدولة أن تحصل على التسهيل إذا كان لديها القدرة على تحقيق توازن كامن في ميزان مدفوعاتها، أو توازن فعلي في الميزان وقت الموافقة على طلب الحصول على التسهيل، ويمكن في ذات الوقت استخدام هذا التسهيل كنافذة سيولة في إطار ترتيبات لمدة ستة أشهر وذلك لتوفير الاحتياجات الائتمانية قصيرة الأجل اللازمة لتحقيق توازن ميزان المدفوعات للدولة العضو، وفي ظل مثل هذا الاتفاق يجب ألا يتجاوز السحب من الصندوق ما نسبته 250 في المائة من حصة العضو، والتي يمكن مضاعفتها إلى 500 في المائة في ظل ظروف استثنائية مثل أن يواجه العضو عجزا في ميزان مدفوعاته ذا طبيعة قصيرة الأجل والناجم عن صدمات خارجية بما في ذلك الضغوط المالية والاقتصادية الإقليمية. كذلك يمكن استخدام هذه التسهيل في إطار ترتيبات زمنية أطول لمدة 12 ـــ 24، حيث يتسع نطاق السحب من الصندوق إلى ما نسبته 500 في المائة من حصة العضو للعام الأول و1000 في المائة من حصة العضو للعام الثاني (وذلك بعد تقييم مجلس الصندوق لحالة العضو)، وكذلك تقييم المجلس التنفيذي لحالة العضو كل ستة أشهر.
مما لا شك فيه أن هذه التطورات في شروط الائتمان التي يقدمها الصندوق للأعضاء تعد تطورا جوهريا من حيث المدى الذي يسمح فيه للعضو بالسحب من موارد الصندوق والذي قد يصل إلى عشرة أضعاف حصة العضو في رأسمال الصندوق، وهو ما يسمح بتقديم تسهيلات ائتمانية سخية للأعضاء الذين تنطبق عليهم شروط الحصول على الائتمان، غير أن تدقيق النظر في شروط الحصول على هذه التسهيلات الائتمانية الجديدة تصل بنا إلى خلاصة أن الدول الفقيرة والاقتصادات الضعيفة لن يكون لها فرصة وصول إلى مثل هذه التسهيلات التي تنطبق فقط على الاقتصاديات القوية أو التي تطبق سياسات اقتصادية سليمة، وهذه الأخيرة هي أقل الدول حاجة إلى الحصول على مثل هذه التسهيلات، مقارنة بالدول الفقيرة والضعيفة اقتصاديا والتي تعد في أمس الحاجة إلى مثل هذه التسهيلات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي