رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


لماذا لا نتحدث عن الاقتصاد؟

"يجب أن تسأل نفسك هل وصلت إلى المستوى أن تدلي برأيك" كونفوشيوس

عندما يبدأ الحديث عن الاقتصاد في المملكة سرعان ما يذكر أن المملكة لديها فائض في الميزانية على الرغم من ارتفاع المصروفات، وأن لدى المملكة رصيداً مالياً يبلغ نحو نصف تريليون دولار، وأن سعر النفط ما زال يحقق فائضاً مالياً. في محاضرة وافية عن أوضاع المملكة الجيواستراتيجية تحدث أحد المسؤولين عن الأوضاع في المملكة، ولكن عندما بدأ يتحدث عن الاقتصاد، فإذا به يتحدث عن الأوضاع المالية، وكأن المال والتمويل بديلان عن الاقتصاد والعملية الإنتاجية. لا أعرف الأسباب لماذا يتحدث الأغلبية، وخاصة الكثير من المسؤولين، وكأن الأوضاع المالية بديلة للحركة الاقتصادية. هناك طبعاً علاقة وثيقة، خاصة في الاقتصاد الريعي، ولكن هناك اختلافاً نظرياً وعملياً إغفاله بدهاء أو بجهل يدخلنا في نفق مظلم.
في المملكة أربع مشاكل اقتصادية واضحة؛ الأولى هي قلة التنافس بسبب الاحتكارات بداية من تملك الأراضي مما يسبّب هزيمة موجعة لقطاع الإسكان والعدالة المجتمعية، ولكن الاحتكارات لا تقف عند الأراضي، ولكنها أهم احتكار يواجه الاقتصاد، بل أزعم أنه لا يمكن إصلاح الاقتصاد السعودي دون رسم يُؤخذ بدفعه إلى بلدية المنطقة على أن تُثمّن الأراضي من جهة مستقلة. كذلك هناك احتكارات في بعض الوكالات الحصرية مثل السيارات والعقود اللوجستية. الإشكالية الثانية هي البطالة وتنبع أساساً من عدم تفريق المجتمع حكومة وشعباً بين الهجرة الاقتصادية والاستقدام لإضافة الناقص الإنتاجي (عمالة وافدة) لدعم النمو الاقتصادي. الإشكالية الثالثة تعاظم الدور الحكومي في الاقتصاد على حساب القطاع الخاص، ولما لذلك من دور مؤثر سلبي في الإنتاجية وعدم التنافس وتقليل دور الكفاءة بين الناس. الإشكالية الرابعة في الحاجة إلى تعظيم استفادة المملكة من عضوية دول العشرين ومنظمة التجارة الدولية برفع مستوى الكفاءة.
التوصيف السابق يرشدنا إلى أننا وضعنا الاقتصاد رهينة للأوضاع المالية، وأننا إجمالاً في حالة تكيفية وليس في حالة قيادية، بل إننا جعلنا العربة أمام الحصان وليس العكس، وهذا وضع غير طبيعي حان الوقت لإعادته إلى الصواب قبل فوات الأوان. هذه الحلول فنية بطبعها ولكن منطلقها في إعادة تأطير الفكر من سياسة التكيُّف ـــ سدّد وقارب إلى سياسة يقودها مشروع تنموي واضح المعالم ومستعد لإعادة ترتيب الأولويات. بدأنا وكأننا نتفادى المنافسة، ولكن المنافسة الشريفة هي ما يدفع الفرد والمجتمع إلى التقدم، فيذكر نايل فيرجسون أستاذ التاريخ في هارفارد وأحد أكبر المثقفين المعاصرين، أن ما يقتل التقدم في المجتمعات هو غياب المنافسة.
الواضح اليوم أننا نفتقد المنافسة في كل شيء. فالاحتكارات أبعدتنا عن المنافسة، وتزيد من الطبقية، وسياسة الدعم غير الرشيد تجعل البلاد مرتعاً للهجرة الاقتصادية، والبطالة بين المواطنين، وخسائر اقتصادية جمة في الوقود والمنافع وحتى الصحة العامة.
بداية الحل تكمن في التوقف عن الحديث عن الأوضاع المالية وكأنها بديلٌ عن الأوضاع الاقتصادية، بينما الاحتكار والبطالة وضعف الإنتاجية والعدالة والتأهيل في الوظائف المهمة لا تأخذ مكانها الطبيعي في النقاش. سألت نفسي، كما ينصح كونفوشيوس، وبقي على الآخرين التساؤل حول ما طرحت وحول أدوارهم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي