رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


للعودة بسوق الأسهم للاستثمار (2)

الاستثمار ــــ ببساطة ــــ هو البحث عن الدخل، والدخل هو ما يمكن استهلاكه (أي صرفه على ملذاتنا ومعاشنا) خلال عام مع بقاء الثروة (رأس المال) في نهاية العام كما كانت في بدايته. في عالم الأعمال البسيطة يمكن التمييز بين الدخل ورأس المال بسهولة، لكن في عالم الشركات فإن مثل هذا التمايز غير ممكن ويبذل المحاسبون جهودا عظيمة للوصول إلى رقم الدخل ومع ذلك يبقى ذلك الرقم مشوبا بالكثير من التحفظات والتقديرات.
لذا ولكي نحافظ على الثروة حتى لا يتم صرفها على شكل أرباح وهمية (بسبب أخطاء التقدير في الدخل) يجب ـــ نظاما ـــ عدم صرف كل الأرباح المعلن عنها بل يجب تجنيب جزء منها، نسميها الاحتياطيات سواء النظامية منها أي بقوة نظام الشركات أو ما تقرره الشركة طوعا تحت مسميات الأرباح المحتجزة. تتوسع الشركات في تجنيب جزء من الأرباح عندما تريد أن تقوم ببعض التوسعات المستقبلية.
فإذا كان الاستثمار هو البحث عن الدخل للاستهلاك، فإن المساهمين في الشركات يسعون ــــ منطقيا ــــ إلى الاستثمار في الشركات التي تدفع لهم الأرباح نقدا، لكن لماذا يقوم مساهم ببيع أسهمه في شركة تدر عليه أرباحا. لتوضيح الأمر نفترض سهما قيمته الاسمية عشرة ريالات ويدر أرباحا سنوية قدرها أربعة ريالات، فإن هذا السهم سيدر أرباحا قدرها 20 ريالا في مدة خمس سنوات. لهذا فإننا لا نتوقع أن يقوم مالك السهم ببيعه ــــ عندما يحتاج للنقد ـــ فقط بعشرة ريالات بل إنه يبيع معه الأرباح المتوقعة، ولذا (وبحسابات القيمة الحالية) فإن المتوقع أن يكون سعر السهم في السوق هو 26 ريالا تقريبا. (عشرة ريالات قيمة السهم و16 ريالا قيمة الأرباح عند معدل فائدة سائد 5 في المائة)، وكلما حققت الشركات نموا في الأرباح زادت توقعات السوق بالتوزيعات التي يمكن أن تقررها إدارة الشركة فتزيد أسعار الأسهم. ولهذا أيضا تنخفض أسعار الأسهم مع إعلان التوزيعات لأن البائع حصل عليها فعلا فلا يستطيع بيعها مرة أخرى فتنزل من السعر والسوق تصحح ذلك فورا.
إذا فالمضاربات يجب ـــ منطقيا ــــ أن تعتمد على توقعات المستثمرين للأرباح التي تحققها الشركات والتوزيعات المتوقعة، وبين متفائل ومتشائم تتوازن الأسعار. قد تنشر أخبار عالمية مختلفة وتغيرات في أسعار السلع يستخدمها بعض المحللين المتقدمين في تقدير أن أرباح الشركة ستزيد أو تنقص مستقبلا ووفقا لهذا تتغير التوقعات بالتوزيعات وتتغير بذلك الأسعار.
وما يمكن استخلاصه هنا هو أن السوق الاستثمارية تعتمد على شركات تربح وتنمو وتوزع أرباحا وتنمو تلك التوزيعات. ولهذا فإن وجود شركة تخسر وباستمرار هو تدمير حقيقي لمفاهيم الاستثمار في السوق، وبقاؤها يشكل سؤالا كبيرا لا أجد له إجابة، فماذا يبيع ويشتري المستثمرون فعلا (إن كان هناك)؟ وإذا كانت هذه الشركات تخلق تساؤلا محيرا، فإن هناك شركات أخرى في السوق تربح وتحتفظ بالأرباح لنفسها حتى تجاوزت الأرباح المحتجزة رأسمالها، هذه الشركات تخلق تساؤلا أقل دهشة ولكنه محير، فكيف نقدر توزيعاتها التي لم توزعها وكيف تقدر السوق سعر السهم. لهذا يبدو السوق وكأنه يصنع أسعارا وهمية لا يمكن ربطها باقتصادنا ولا حتى اقتصاد جزر المحيط الهندي. أسعار صنعها مغامرون بل مقامرون حتى إذا تلبدت الغيوم تبدلت الأسعار بسرعة وتساوت مناكب الشركات فهذه خاسرة اقتصاديا رابحة في سوق المضاربات وهذه رابحة اقتصاديا خاسرة في سوق العجائب، ولا عزاء للأرباح المحتجزة والسيولة النقدية الهائلة للشركة، وهذا طبيعي فهذه الأرباح وتلك السيولة هي للشركة وإدارتها فقط وليست للمساهمين وبهذا يدمر الفكر الاستثماري في السوق تماما.
وفي هذا المقام أسأل أستاذة الاقتصاد والاستثمار من منهم يستطيع أن يقنع طلابه اليوم ــــ بل يجرؤ على الحديث ــــ بمفاهيم المحافظ الاستثمارية ومنحنيات السواء Indifferent curves وتنويع المخاطر في سوق الأسهم السعودية، ذلك أن أسهم الشركات في السوق أصبحت تتحرك بمخاطر متقاربة بل أصبح الكثير من الكتاب والمحللين يصنفون سوق الأسهم ككل بعالية المخاطر، بعدما كانت المخاطر فيها درجات.
وإذا كنت أسألهم في المقام السابق، فإنني أتحدى في هذا المقام من يستطيع أن يقنع أحدا ـــ طلابا أو متدربين أو غيرهما ـــ بجدوى الاستثمار عبر طريق الصناديق الاستثمارية؟ فمن يرشدني إلى صندوق استثماري تظهر في أسعار وحداته آثار للتوزيعات النقدية التي تدفعها الشركات؟ لماذا تظل مضاربتهم سرا عظيما بينما صناديق المؤشرات الأخرى تعلنها للناس حتى يتخذوا قراراتهم ببصيرة؟ لماذا تبقى هذه الصناديق على هذه الحالة المستترة وكأنها سر الله الأعظم في سوق الأسهم؟
لقد وضعت استثماراتي في أحد الصناديق العجيبة ومرت سنوات عصفت بالسوق العواصف، صعد وهبط، ووزعت أرباح بملايين بل المليارات ولم أر أثرا لكل ذلك على سعر وحداتي إلا عندما يهبط السوق. فكيف يريدون مني أن أقنع طلابي، ومن يسألني بأن الاستثمار المؤسسي أفضل من الاستثمار الفردي بينما هُم في هَم هذا السوق سواء.
إنني أحمل هيئة سوق المال كل المسؤولية عن هذا الذي يحدث، طالما هي تتماهى مع الشركات الخاسرة والشركات التي لا توزع أرباحا أو حتى التي لا تنمو لها أرباح ولا توزيعات، اصنعوا لنا سوقا نستثمر فيها لمستقبل أولادنا طالما نحن ممنوعون قانونا من ممارسة العمل في عالم الأعمال ونحن على رأس العمل الحكومي. لماذا تتماهى هيئة سوق المال مع الصناديق الاستثمارية التي تخضع للبنوك التجارية؟ أم هي عصبية لديها اكتسبتها من سابق تعاملها معهم، نقلها موظفو الهيئة الذين عملوا في مؤسسة النقد سابقا وهم كثر فكانت للبنوك في الهيئة الحظوة نفسها التي سبقت لهم في مؤسسة النقد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي