طالبات حائل في المترو.. برسم وزارة النقل
تشغل وفاة طالبات جامعة حائل إثر حادث أليم وسائلَ الإعلام. أسأل الله تعالى أن يغفر لكل من قضى في الحادث، وأن يلهم أهلهن الصبر والسلوان. الكل يتحدث عن الحلول وهو أمر جيد. لكن لا بد أن نعرف لماذا حدث ما حدث؟ معرفة الأسباب تسهل العلاج. في النهاية الأهم هو استئصال المشكلة من جذورها. هذه الحوادث تحصد يومياً أعداداً كبيرة من أبناء وبنات الوطن. وحلولها غالباً تكون في اليد. نؤمن بالله ونؤمن بقضائه وقدره، كما نؤمن أنه لا بد أن تعقل وتتوكل. فمن كان يستطيع أن يمنع حدوث هذه المأساة؟
حالة كهذه يرجع فيها المختصون لثلاثة عناصر. فإما أن تكون السيارة هي السبب أو السائق أو الطريق. سيقوم المختصون بكل الدراسات والبحث والتحري للتعرف على حالة السيارتين اللتين كانتا مشتركتين في الحادث، حافلة نقل الطالبات تقطع 400 كيلو متر كل يوم، بمعنى أنه منذ بدء العام الدراسي قطعت نحو 20 ألف كيلو متر، وكان متعهد إيصال الطالبات يؤمل أن تكمل العام الدراسي بما مجموعه 160 ألف كيلو متر. الحافلة، كما يبدو لي من صورتها، موديل 2003. هذا يعني أنها قطعت أكثر من 800 ألف كيلو متر، وهذه مصيبة في حد ذاتها. 800 ألف كيلو متر تعني أن الحافلة لا يمكن أن تستخدم داخل المدينة، فكيف باستخدامها على طريق لا تقل سرعة القيادة فيه عن 120 كيلو مترا في الساعة. إذاً الحافلة تسببت في الحادث! لكن ماذا عن العناصر الأخرى؟
وسط هذه المأساة يبرز البعد الجغرافي، تبعد الجامعة 200 كيلو متر عن سكن الطالبات. توجد في المملكة 23 جامعة حكومية وأضعافها من الكليات والجامعات الأهلية، فكيف كان هذا التوزيع الجغرافي المجحف؟ لسنين طويلة قدمت الجامعات سكناً للطالبات اللواتي يعشن على مسافة 60 كيلو مترا من الجامعة، عندما كان عدد الجامعات ستا ــــ دون احتساب الجامعة الإسلامية ـــ فما هو سبب حرمان هؤلاء من السكن الجامعي بعد أن قل الاعتماد على السكن الجامعي؟ هذا يعني أن موقع الجامعة هو السبب الذي أدى لهذه الفاجعة! لكن هناك عناصر أخرى.
يقود السائق الحافلة من بعد صلاة الفجر لمدة ثلاث ساعات ذهاباً وثلاث ساعات إياباً بشكل يومي. فمن يطيق هذا الكم من التركيز؟ السائق تحت ضغط كبير، خصوصاً أنه ملزم بتوقيتات معينة، وينتظر لساعات خروج هؤلاء الطالبات. تقنين ساعات عمل السائقين قضية مهمة، وحماية حق السائق، وتعيين سائقين في منطقة السفر ومنطقة العودة، يستدعي أن تدفع الأسر مبالغ أكبر قد لا يطيقونها. المؤكد إذاً أن السائق والضغط الذي يقع عليه هو السبب! لكن ماذا عن الطريق؟
العنصر الأهم، والذي نال من التصريحات الشيء الكثير طيلة ما يزيد على خمس سنوات هو الطريق. طريق الحادث لا يتجاوز عرضه الستة أمتار، كما تظهر صور الحادث. هل يعقل أن يكون في المملكة طريق يربط بين الهجر والقرى والمدن بهذا العرض؟ أين تصريحات وزارة النقل عن الطرق السريعة. 47 ألف كيلو متر من الطرق المسفلتة في المملكة، كم كان نصيب قرية ''مريفق'' التي لا تبعد سوى عشرة كيلومترات عن مدينة حائل منها؟ هذا الطريق مهترئ ومليء بالحفر، وهو ما رآه الجميع في كل وسائل الإعلام والإنترنت. اثنتان منهما تقعان على بعد 20 متراً من مكان تحطم السيارتين. إذا لا خلاف على أن الطريق هو السبب! لا أحد يستطيع الجزم.
كل المعطيات أيها السيدات والسادة تقول إن هذا الحادث كان لا بد واقع، وأن الجميع تسببوا فيه من قريب أو من بعيد. رغم هذا كله، أطمئن الجميع أنه لن يعترف أحد بخطئه، ولن يستقيل أحد بفعل تأنيب ضميره، ولن يكون لهذا الحادث ضحايا سوى الطالبات وسائقي المركبتين.
تصريح جديد قرأته قبل أسبوع يقول بالحرف الواحد ''إن وزارة النقل أنهت دراسات الجدوى المتعلقة بالقطارات الخفيفة ''المترو'' داخل المدن والمحافظات''، مضيفا أن الدراسات أكدت أهمية وجود وسائل نقل بديلة داخل المدن يأتي في مقدمتها المترو. وأضاف أنه سيتم دعم المترو بحافلات نقل لتوصيل الركاب من أطراف المدن إلى محطات المترو، حيث إن بعض المدن أصبحت مزدحمة بشدة، وهو ما يؤثر في الحركة الاقتصادية والانتقال داخل المدينة نفسها بسبب كثرة السيارات في المدن.
لاحظوا أن الوزارة أنهت الدراسات الخاصة بالمترو داخل المدن، لم يستثنِ أي مدينة، بل وزادنا أملاً عندما أكد أن المترو سيصل إلى المحافظات. التصريح يعني أننا سنشاهد المترو في المدن خلال سنتين أو ثلاث أو خمس سنوات أو عشر سنوات، لا أحد يستطيع التكهن لأن الدراسة يمكن أن توضع على الرف. أو لا تدرج مشاريعها في الميزانية، وهو العذر الأقدم.
تعوّد المسؤولون على التصريح لوسائل الإعلام بأي كلام، لكن المصداقية يفندها الواقع. الحديث عن أول مترو بدأ عام 2003، وهناك وعود بأن ينتهي الإنشاء ويبدأ التشغيل عام 2009. اليوم نفاجأ بأن الوزارة أنهت الدراسة.. عقبال التخرج.