للعودة بسوق الأسهم إلى الاستثمار (1)
هل هناك فرق كبير بين حال المنتخب السعودي وحال سوق الأسهم؟ في كل الأحوال نعيش فترة من عدم اليقين، ويبدو أن هذه الظاهرة تواجه العالم بمجمله وفي جميع الأصعدة سياسيا واقتصاديا حتى رياضيا. فالوضع الاقتصادي العالمي ككل يعاني عدم اليقين وهي العبارات التي يستخدمها صندوق النقد الدولي في تقاريره الاقتصادية وأشار إليها رئيس البنك الدولي روبرت ب. زوليك، وهو يعلن بعد اجتماعات قمة العشرين أن هناك قلقا يساور مجموعة البنك الدولي، التي تمثل 187 بلداً عضواً، بشأن تأثير الأزمة الراهنة بمنطقة اليورو وقلق بالغ من أن تكون لهذه الأزمة آثار سلبية على أسعار الأصول وطلب المستهلكين والشركات. كما يعتقد أن البلدان النامية في موقف أضعف اليوم، عند مقارنتها بما كانت عليه عند اندلاع أزمة عام 2008، وأنها لن تستطيع تحمل صدمة أخرى.
من المتوقع أن تنعكس هذه العبارات على السوق المالية في شكل قرارات متحفظة للصناديق الاستثمارية وكبار الملاك، ولكن من غير الإنصاف أن نقول إن هذه هي كل مشاكل سوق الأسهم السعودية والسبب الوحيد في عدم يقينها وعدم وضوح اتجاهها وخاصة بعد تصريحات وزير المالية السعودي الذي يؤكد محدودية تأثير الأزمة على اقتصاد المملكة (مع تحفظي الشديد على ما تحمله كلمة "محدود" من غموض ذلك أن أزمة بلغت قيمة تسويتها أكثر من خمسة تريليونات ريال لن يكون تأثيرها مجرد محدود بل مدمر لو نزل هذا المحدود على قطاع معين)، ومع ذلك فإن هذا التصريح لا يأتي من فراغ بل يستند إلى وضع مالي مستقر للمملكة ــــ رعاها الله ــــ مقارنة بفترات سابقة، وكلمة الوزير تطمئن أي قطاع قد يتأثر بالأزمة.
بعد انهيار السوق المالية عام 2006، كنا نقول إن غياب الاستثمار وغلبة روح المضاربات هي المشكلة الرئيسة للسوق وإن حجم السيولة المتوافرة أكبر من حجم السوق ومكرر الأرباح المرتفع دليل على المشكلة. توجهت هيئة السوق المالية إلى تعميق السوق بإدراج عدد أكبر من الشركات وإعادة هيكلة القطاعات وتفتيت نسبة التغير في سعر السهم لتعطي فرصة للمستثمرين لاتخاذ قرارات أكثر بصيرة، وبذلك فإن الهيئة ركزت على تطوير كوابح لحركة السوق تمنع سيطرة المضاربين عليها ودفعها نحو مستويات خطرة وقد كان لها ما أرادت حتى الآن ساعدها على ذلك تطور قدراتها الرقابية واتجاه الأموال نحو سوق العقار وتعلق كثير من الاستثمارات هناك. لكن ما حدث أن الكوابح كانت أقوى وأقسى من أن تتحملها السوق حتى أعاقتها عن دورها الواجب. فلم تستطع أن تكون مرآة لحالة الاقتصاد وميزانية الدولة ولا حتى حالة الشركات وهي تحقق أرباحا قياسية ومنها العملاق "سابك"، كما لم تعد تمارس دورها الحقيقي كمنفذ استثماري للمدخرات.
سوق الأسهم لها قدرة على جذب مدخرات المواطنين وهذا بدوره سيكبح جماح الاستهلاك والأسعار في نهاية الأمر، لكن هذا الدور لن يتحقق بمجرد ضبط المضاربات والسيطرة عليها ومنع السوق من التحرك صعودا، بل من خلال تنمية العائد الاستثماري للسوق، ولن يحدث هذا الأمر إلا من خلال تعزيز العوائد النقدية التي تقدمها الشركات للمستثمرين. فخلال عام 2010 كان متوسط سعر السهم في السوق يبلغ 23 ريالا تقريبا، بينما متوسط التوزيعات المعلنة بلغ 1.10 ريال فقط أي أن نسبة العائد الحقيقي على المساهمين لم تتجاوز 4 في المائة وهي نسبة ضعيفة إذا ما قورنت بالعائد على الاستثمار في مجالات أخرى عديدة ومنها الودائع البنكية. وإذا أضفت أن السوق المالية تقدم هذا العائد مع مخاطر كبيرة، بينما يقدم مثله وأفضل منه في مجالات أخرى وبمعدلات مخاطر متدنية فإنه يمكن القول إن الوضع الاستثماري للسوق مؤسف جدا، بل إن هذا الوضع يعمق مفهوم المضاربات كمصدر للعائد فقط.
كان يعاب على السوق المالية ارتفاع مكرر الأرباح، لكن الحقيقة أن مكرر الربحية يعتمد على ربحية الشركة المعلنة فقط ولذا يعد مقياسا مضللا استثماريا طالما ليس هناك شروط واضحة على الشركات المدرجة لتوزيع الأرباح بشكل منتظم، وهذا ما حصل فعلا، فرغم انخفاض مكرر الربحية ظلت السوق غير جاذبة استثماريا والسبب كما قلت أن العوائد الحقيقية لا تتناسب مع المخاطر ولا تتناسب مع الوضع الاستثماري في المملكة. وللعودة بالسوق إلى الحالة الاستثمارية الجيدة يجب إجبار الشركات على توزيعات أفضل وخاصة الشركات العملاقة منها وليس الاكتفاء بالنص القانوني ومجرد 5 في المائة من عشرة ريالات بينما سعرها في السوق يتجاوز 100 ريال. فسياسة كهذه تقتضي عدم استفادة المساهم من الوضع الاقتصادي المتنامي للمملكة وللشركات وخاصة مع ارتفاع الأسعار وارتفاع نسب الربحية بشكل عام.
مشكلة السوق أن الشركات لم تزل تقدم توزيعات كما هو لو أن الاقتصاد لم يتغير فيه شيء ولم تتطور الأرباح ولهذا نجد السوق تعكس هذه الوضعية الشاذة فهي مستقرة عند اقتصاد ما قبل عام 2006 لأن التوزيعات الحقيقية بقيت فعليا عند ذلك المستوى. انتهت المساحة هنا ولي عودة لمناقشة سلبية الصناديق الاستثمارية في هذا الجانب.