نهج الأمير سلمان الإداري: المصارحة والمكاشفة والالتزام
لم يكن تصريح الأمير سلمان تصريحا عابرا أو حديثا إعلاميا في كلمته التي ألقاها أثناء لقائه ضباط وقادة القوات المسلحة، وإنما كلمة تستحق التوقف عندها كثيرا لأنها تجسد نهجه الإداري المميز وخبرته القيادية العميقة والثقافة التنظيمية التي يؤمن بها. وأهمية حديث الأمير سلمان تنبع من أنه قيادي يتولى مسؤولية الدفاع عن الوطن ومقدساته، وهو في الوقت ذاته يجسد بفكره ورؤيته وقراراته القيم السياسية التي يرتكز إليها النظام السعودي قولا وعملا. فالسلطة العامة في السعودية تمارس بدافع تطبيق الشرع وخدمة الناس وتلبية احتياجاتهم وتحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم، وليس للتكبر والاستعلاء كما يحدث في دول كثيرة من حولنا. وهذا بكل تأكيد أساس الاستقرار والأمن والأمان واللحمة بين الشعب وقيادته التي تنعم بها السعودية. وقد يقول البعض من الحاقدين أو من تسيرهم الأهواء والأجندات الخارجية إن استقرار السعودية سببه الثراء الاقتصادي، وهذه حجة عليهم وليست لهم لأنها دليل على أن هناك توزيعا عادلا لهذه الثروة حتى وإن شابها بعض القصور من حين إلى آخر، لكن تظل السعودية مقارنة بدول أكثر ثروات حجما وتنوعا على رأس القائمة من حيث الرفاهية الاجتماعية والحفاظ على الضرورات الخمس (الدين والنفس والعرض والعقل والمال)، كما في الشريعة الإسلامية - دستور السعودية. إن انسجام منظومة القيم بين أفراد المجتمع وقيادته هي المرتكز الأساس في العقد الاجتماعي والسبب وراء اللحمة الفطرية بين الحاكم والمحكوم والوحدة الوطنية. في السعودية الكل يعي مسؤولياته ودوره والجميع يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، فها هو الأمير سلمان يبدأ كلمته في إدراكه لهذه المسؤولية العظيمة بتعيينه وزيرا للدفاع، بأنها تكليف وليست تشريفا ويفصح عن إيمانه بالعمل الجماعي وبروح الفريق حين قال ''وأعرف ما تمثله من مسؤولية وحمل ثقيل لكنني أستعين بالله قبل كل شيء ثم بكم كأبناء أوفياء لهذه البلاد''. إنها الثقافة الإسلامية التي تربى عليها أبناء الملك عبد العزيز والفكر السياسي العقلاني والعملي واحترامهم لشعبهم لأنهم منهم وفيهم، فلا تمايز إلا بحجم المسؤوليات والعطاء والبذل ومقدار الإسهام في تطوير وتنمية ورفعة البلاد. الإطار العام لهذا النظام السياسي هو الانفتاح على الجميع والوقوف على مسافة واحدة من الجميع باحترام متبادل وعلاقة تسودها المحبة في الله وتطبيق شرعه. وهذا يتجلى في سياسة الباب المفتوح واندماج جميع فئات ومكونات المجتمع في العملية التنموية الوطنية ليتعزز الانتماء معتصمين بحبل الله إخوانا.
إن قياديا محنكا وإداريا متمرسا مثل الأمير سلمان يدرك أن وضوح التوقعات والأهداف والنهج الإداري أساس النجاح في العمل الجماعي، فقد كان واضحا شفافا على الرغم من أن العمل الحكومي رتيب ونمطي، إلا أنه يأبى الركود والاستكانة والروتين الذي يعطل الكفاءة والفاعلية ويحول دون الاستجابة لمتطلبات المواطنين وتحقيق المصلحة العامة. وبالتالي هو لا يرتضي التقوقع البيروقراطي والجمود الإداري ويسعى إلى خلق بيئة عمل متعلمة مرنة منفتحة يسودها الثقة والبحث عن الأفضل وفيما ينفع الناس. إيمانه بأن العمل في أساسه من أجل المواطن وأن الحكومة في أصلها هي من الناس وإلى الناس. هذه المرونة الإدارية لا تعني مخالفة الأنظمة فهو حريص على تطبيق الأنظمة بكل دقة وأمانة، ولكنه قيادي يرى أنه مسؤول عن تحقيق مصالح الناس في المقام الأول، ولعل ذلك يدعوه إلى تطويع الأنظمة من أجل خدمتهم فهي وضعت من أجلهم، ولذا كان حديثة جريئا واضحا وصادقا يمس جوهر العمل الإداري الحكومي ''أقول لكم أسلوبي في العمل هو الصراحة والمكاشفة بمعنى أنني على افتراض أنني أمرت بإجراء معين أو اتخذت رأياً معيناً وعند أحد منكم ما يخالفه بموجب الأنظمة أو التعليمات أو المصلحة العامة فأنا أطلب أن المسؤول منكم لا يتأخر إطلاقاً، بل أريده أن يلفت نظري إذا هناك مخالفة نظامية أو مخالفة إجراء سبق أن تم أو أمر سبق أن تم، لأن هذا أسلوبي اتبعته في عملي السابق في إمارة منطقة الرياض''. إنها الموازنة بين الإبداع والالتزام، بين المرونة والجدية، وبين إعطاء الأوامر وتقبل ردود الأفعال، هذه الموازنة تخلق وضعا إداريا مميزا يحقق الكفاءة والفاعلية ويسعى للاستجابة للمستجدات والمتغيرات.
إن نهج الأمير سلمان في المصارحة والمكاشفة يخلق بيئة إدارية صحية ويفتح الباب على مصراعيه في نقاش ما لم يكن معتادا نقاشه ليكسر حاجز الرهبة ويقضي على المجاملات والمداهنات لأنه عملي حتى النخاع يعشق الإنجاز ويسعى من أجل النجاح. هذه السمة في الأمير سلمان أعلمها من تجربة شخصية، فما زلت أذكر أول اجتماع التقيته منذ سنوات كان نقاشا شفافا صريحا حول الإدارة المحلية أثناء اجتماع مجلس إدارة مؤسسة الرياض الخيرية للعلوم، منحني من وقته واستمع بكل اهتمام وإذا بي أفاجأ وبحكم التخصص الأكاديمي في الإدارة المحلية وتطوير المنظمات أدهشني بسعة اطلاعه وعمق درايته وإلمامه بالموضوع ورؤيته الواضحة لما ينبغي عمله، وظل منصتا ولم يعرض رأيه حتى انتهيت وبقي في حوار مفتوح شجعني على طرح المزيد من الآراء والأفكار، وفي كل مرة يناقشني بتواضع العظماء وسعة أفق الخبير ومحبة الوالد لولده وكأنما أراد أن يضع جميع أفكاري أمامي لأراها بطريقة مختلفة وأتفحصها بدقة وموضوعية وأقلبها من جميع الجوانب. إنها القيادة بالتعليم وإحداث التغيير من داخل الأتباع ومنحهم الثقة ليستكشفوا الأشياء من حولهم ويكونوا على وعي تام بما يقومون به وليطبقوا النظام عن اقتناع وتفان. أسلوبه القيادي التعليمي عززه بالقدوة فهو حريص على المواعيد بدقة لدرجة مدهشة، وكل من يعرف الأمير سلمان يعرف هذه الخاصية. وقد حدث مرة أن كنت في اجتماع مع الأمير عبد العزيز بن عياف بأمانة منطقة الرياض الساعة 7:30 صباحا وقبل بدء الاجتماع كان هناك اتصال من الأمير سلمان يدعوه للقاء به في مقر الإمارة! السابعة والنصف صباحا بالضبط، وبعض الموظفين في كثير من أجهزة الدولة يحضرون بعد بدء الدوام الرسمي بنصف ساعة أو أكثر. هذا هو نهج الأمير سلمان الواضح الجلي القيادي الذي يؤسس لثقافة إدارية مبنية على الاتصال والتواصل الإنساني والتفاعل مع المستجدات والعمل الدؤوب وتطبيق المعايير المهنية واحترام الوقت، ولذا لم يكن مستغربا أن تطلب المنظمة العربية للتنمية الإدارية إنشاء جائزة باسمه كونه أحد رواد العمل الإداري المحلي على مستوى الوطن العربي. الأمير سلمان نموذج للقيادي الذي يجمع بين الحنكة السياسية والتنظيم الإداري والرؤية الإنسانية ويلزم أن يكون نهجه في المكاشفة والمصارحة أساسا في جهود الإصلاح الإداري للانتقال بعمل الإدارة الحكومية إلى مستويات أعلى من الأداء لتبقى السعودية واحة أمن وأمان ويزيدها ذلك قوة ومنعة.